الإخلاص شرط معنوي للجهاد

الإخلاص يعني تخليص النيّة أو الدّافع نحو العمل من كلّ شيءٍ ما عدا اللهَ سبحانه وتعالى، بحيث لا يكون للإنسان قصد أو دافع من وراء أيّ فعل أو حركة أو حتى تفكير وميل سوى رضا الله والتقرّب إليه، وهو روح العبودية لله تعالى وجوهرها. وهو من الصفات الهامّة التي ينبغي أن يتحلّى بها المجاهد لأنها منشأ وأصل كل هداية وتوفيق، ولكي يصدُقٌ على الإنسان أنه مجاهد في سبيل الله لا بدّ أن يكون دافعه نحو الجهاد هو الله عزّ وجل فقط دون أحد سواه. فالله عزّ اسمه أمر الناس ودعاهم إلى عبادته حيث قال: ﴿إنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّم﴾، ولكنه لم يأمر بأيّ عبادة بل أمر عزّ وجلّ بالعبادة الخالصة له التي لا يشاركه فيها أحد، قال تعالى ﴿وَما أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصينَ لَهُ الدِّين﴾، لذا قال رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله وسلم): “طوبى لمن أخلص لله العبادة والدعاء ولم يشغل قلبه بما ترى عيناه”.
مخاطر ترك الإخلاص:
إن الأعمال مرهونةٌ بالنيّات وإذا لم تكن النوايا خالصة فهذا يعني أنه يشوبها الشرك، والله تعالى لا يغفر أن يُشرك به ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِه﴾، ولا يقبل إلا ما كان له خالصاً كما في الحديث القدسيّ المرويّ عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) قال: “يقول قال اللَّه عزّ وجلّ: أَنا خير شريك، من أَشرك معي غيري في عملٍ عمِلَهُ لم أَقبله إلا ما كان لي خالصاً”.
ويعرّف الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) الإخلاص فيقول: “والعمل الخالص الذي لا تريد أن يحمدك عليه أحد إلا الله عزّ وجلّ، والنيّة أفضل من العمل، ألا وإنّ النّيّة هي العمل. ثمّ تلا قوله عزّ وجلّ ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ﴾ يَعْنِي عَلَى نِيَّتِهِ”.
فإن جعل العمل والعبادة والحياة لله لا يكون بمجرّد تطبيقها على ما يريده الله في الظاهر فقط، وليس بموافقتها لأحكامه فحسب، بل بمعنى أن لا نطلب من ورائها إلا الله سبحانه وتعالى، وهذا هو الإخلاص الذي يتوقّف عليه قبول الأعمال عند الله تعالى. فالإخلاص هو تصحيح النيّة وتوجيهها نحو الله وما يريده منّا في كل حركة وسكنة وقول وفعل ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتي وَنُسُكي وَمَحْيايَ وَمَماتي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمينَ﴾.
فالمجاهد في سبيل الله عند أداء واجباته وتكاليفه الشرعيّة هو في حالة عبادة، ولأعماله بُعدٌ إلهيّ يمكن أن يرفعه إلى أعلى عليّين ويقرّبه من الحق نجيّاً في حال اتّسمت أعماله ونواياه بالإخلاص. أما إذا لم تكن النوايا خالصةً ولم يكن الدافع الأساسي من وراء الجهاد رضا الله وأداء التكليف الشرعي فلن تكون الأعمال مقبولةً، وبالتالي لن ينال الأجر والثواب الذي يستحقّه. لأن الذاهب إلى ميادين الجهاد لن يصدُقُ عليه وصف المجاهد في سبيل الله ما لم تكن هجرته إلى الله، وما لم يكن دافعه الأساسي وهدفه النهائي هو الحق سبحانه وتعالى لا غير ﴿فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾.
أمثلة على عدم الإخلاص:
حب المدح: من أهم علامات الإخلاص عدم انتظار المديح من أحد، كما في الحديث عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): “العمل الخالص، الذي لا تريد أن يحمدك عليه أحد إلا الله”.
الرِّياءُ: وهو إظهار الأعمال الصالحة والصفات الحميدة والعقائد الحقّة لأجل الحصول على منزلة في قلوب الناس، والاشتهار بينهم، وهذا من الشرك الذي هو مبطل للعبادة. قال الله عزّ وجلّ ﴿يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ﴾.
وفي رواية عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): “إنَّ الجنّة تكلّمت، وقالت: إنِّي حرامٌ على كلَّ بخيلٍ ومُراءٍ”.
وفي الحديث عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): “كلُّ رياءٍ شركٌ، إنّه من عملَ للنَّاس كان ثوابه على النَّاس، ومن عمِلَ لله كان ثوابُهُ على الله”.
العُجْب: وهو تعظيم العمل واستكثاره والسرور به والتغنّج والدلال بواسطته من دون أيّ هدفٍ إلهيّ. عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) قال: “من دخله العُجْبُ هلك”.
وعن علي بن سويد عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: “سألته عن العُجب الذي يُفسد العمل فقال: العجب درجات، منها أن يزيّن للعبد سوء عمله فيراه حسناً فيعجبه ويحسب أنّه يُحسِن صنعاً. ومنها أن يُؤمِن العبد بربّه فيَمُنَّ على الله عزّ وجلّ ولله عليه فيه المَنُّ”.



