اراء

واشنطن ودمشق.. إدارة للملفات أم بناء للتحالفات؟

بقلم: شاهر الشاهر..

لم تكن زيارة الجولاني إلى البيت الأبيض حدثاً عادياً بكل تأكيد، إذ إنها تعدّ بمنزلة الإعلان عن تحوّل تأريخي ليس فقط في مسار العلاقات السورية-الأمريكية، بل في إعادة “التموضع الاستراتيجي” لسوريا على الساحة الدولية.

دخول رئيس المرحلة الانتقالية في سوريا إلى البيت الأبيض يمثل حدثاً يحمل طابعاً خطيرا، بغض النظر عن طبيعة الملفات التي جرت مناقشتها.

هذا الحدث يعيد تشكيل ملامح العلاقات الدولية لسوريا، ويحدث تحوّلاً في “الهوية السياسية” السورية. فمنذ استقلال البلاد في الاربعينيات ظلت الولايات المتحدة تُعدّ المنطقة بأنها تتسم بالحساسية بالنسبة إلى السياسيين السوريين، وذلك بفعل التناقضات الإقليمية التي نشأت في النصف الثاني من القرن العشرين نتيجة التنافس بين المحاور المختلفة.

الزيارة لم تكن في إطار بحث العلاقات الثنائية بين البلدين، بل الانتقال إلى توقيع شراكة بينهما لمقاتلة تنظيم “داعش”، وما سيترتب على ذلك من تبعات يتوجب على الحكومة السورية توقعها والاستعداد لمواجهتها.

تحديات انضمام سوريا إلى التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب

تم تأسيس هذا التحالف المزعوم في عام 2014، بعد ظهور “داعش” وتمدده داخل سوريا والعراق، وضم 89 دولة، وستكون سوريا الدولة الـ90 في هذا التحالف.

كانت “قوات سوريا الديمقراطية” هي الشريك الوحيد للتحالف الدولي، ولا تزال شريكاً حتى اليوم، بمعنى أن الولايات المتحدة لم تنقل تحالفها مع “قسد” إلى الحكومة السورية.

الحديث عن أن أمريكا وضع “قسد” والحكومة السورية في كفة واحدة (كشركاء في التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب) غير صحيح من وجهة نظري، وكل ما في الأمر أن تحالفها مع “قسد” بات مؤقتاً، ريثما يستكمل الجيش السوري استعداداته، وإلى حين استكمال اتفاق العاشر من آذار وانضمام “قسد” إلى الجيش السوري، وهو ما أكده توم باراك مرات عدة.

الأعضاء في هذا التحالف يندرجون في خمس مجموعات (حلفاء شاركوا عسكرياً-حلفاء قدموا مساعدات إنسانية-حلفاء عبروا عن تأييدهم للتحالف فقط-أنصار التحالف-الحلفاء من غير الدول).

حرصت الولايات المتحدة على أن لا يدخل السوري إلى البيت الأبيض، إلا بعد إزالة صفة الإرهاب عنه، وهذا ما كان في قرار مجلس الأمن، الذي تضمن تأكيداً على سوريا ما بعد الحرب، وهو أشبه بقائمة من مطالب المجتمع الدولي تجاه سوريا.

يجري الحديث عن استعداد أمريكا لتدريب 40 ألف جندي سوري في دول مختلفة مثل الأردن والسعودية والإمارات وتركيا، وتسليحهم ليكونوا قادرين على تنفيذ ما يوكل إليهم من مهمات.

حديث السيناتور ليندسي غراهام عن ضرورة نزع سلاح حزب الله ومنع ما يُسميه”الحضور الخبيث” لروسيا وإيران في سوريا، يجعلنا نخشى أن يراد زج سوريا في معارك نحن بغنى عنها، خصوصاً أن مساعي الحكومة تركز على “تصفير المشاكل” والتفرغ لإعادة إعمار سوريا.

الاتفاق الأمني بين سوريا و”إسرائيل“..

تدرك سوريا أن الولايات المتحدة تنظر إلى المنطقة بمنظار إسرائيلي، وبالتالي فقد انتهجت الحكومة الانتقالية سياسة ضبط النفس في وجه كل ما تعرضت له من استفزازات إسرائيلية.

الحديث عن التطبيع بين سوريا و”إسرائيل” أمر غير وارد، وكل ما يمكن توقعه هو توقيع اتفاقية أمنية على غرار اتفاقية عام 1974، تجنب سوريا الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على أراضيها، وتعيد القوات الإسرائيلية إلى مواقعها التي كانت موجودة فيها قبل 8 كانون الأول 2024.

الحديث عن “الترتيبات الأمنية” يعدّ تحوّلاً جوهرياً يسعى إلى تثبيت “الشرق الأوسط الجديد” المستند إلى “تفاهمات” وليس إلى سلام بشروط واضحة.

وجود سوريا كدولة واحدة قوية أفضل لـ”إسرائيل” من وجود كيانات متصارعة وما يشكله ذلك من تهديد لحدودها. لكن وجود حكومة “قوية ” أمر لم تتقبله “إسرائيل” بعد، خصوصاً أن درس السابع من أكتوبر ما يزال حاضراً في ذاكرتها السياسية، ولا تريد تكرار “خطيئة التعامل مع حماس“.

ماذا سيقدم هذا الاتفاق لـ”إسرائيل”، إذا لم تتنازل الحكومة السورية عن الجولان (وهو ما لن يحدث على المدى القريب على الأقل)، خصوصاً أنها تفعل ما تريد في الجنوب السوري من دون حسيب أو رقيب.

الحديث عن وجود قواعد عسكرية أميركية في المنطقة قد يجعل “إسرائيل” تنسحب منها، إذ إن تلك القواعد ستكون قواعد صهيونية ترفع العلم الأميركي.

تسوية ملف المقاتلين الأجانب..

قضية المقاتلين الأجانب والجهاد العابر للحدود باتت تقلق الكثير من الدول، وعلى رأسها الصين التي امتنعت عن التصويت على قرار مجلس الأمن المتعلق برفع العقوبات عن الرئيس الجولاني ووزير الداخلية أنس خطاب.

رفع العقوبات جاء بطلب وضغط أميركي، وقبول بالتعديلات الروسية والصينية على القرار، لأن أميركا تريد أن تؤكد دوماً كما تزعم أنها “لا تتفاوض مع إرهابيين”، وبالتالي كان يجب رفع العقوبات قبل دخول الجولاني إلى البيت الأبيض.

تعهد سوريا بمعالجة هذا الملف خلال الفترة القادمة أمر يحتاج أيضاً إلى مزيد من الحزم والقوة، خصوصاً أن عدداً منهم بات يشكل تهديداً للأمن والسلم الأهلي في سوريا، كما حدث مؤخراً مع كتيبة الفرنسيين.

لقاء الجولاني وترامب كان بمنزلة إدراج لسوريا في معادلة جيوسياسية تركز على إدارة الملفات وصولاً إلى بناء التحالفات، فواشنطن تبحث اليوم عن استقرار مؤقت في شرق أوسط مضطرب، باتت فيه سوريا مركزاً لهذه التحولات، ليس كفاعل رئيس بل كميدان اختبار للنظام الدولي وقدرته على تشكيل شرق أوسط جديد دون الحاجة إلى خوض حروب كبرى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى