القمة العربية الإسلامية الطارئة في الدوحة بعيون يمنية

بقلم: علي ظافر..
في ظل واقع عربي مضطرب على وقع استمرار عربدة الطارئين على فلسطين لمدة عامين وما رافق ذلك من توسيع دائرة الاستباحة الصهيونية برعاية ودعم أميركيين معلنين وواضحين من غزة والضفة مروراً بسوريا ولبنان واليمن وإيران ومؤخراً في الخليج وتحديداً قطر.
كان المأمول من القمة العربية الإسلامية الطارئة التي عُقدت الأحد في الدوحة أن تخرج بموقف وقرارات عملية حاسمة، تردع المعتدي، وتكبح جماح كل مغامر، وأن تشكل القمة في مرحلة فارقة نقطة تحول استراتيجي في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، لكن الفجوة بدت واسعة بين المأمول والواقع.
ماذا كان يأمل اليمنيون من قمة الدوحة؟
لربما كانت الفرصة مؤاتية لأن يمثل النظام العربي والإسلامي الرسمي آمال شعوبه ولو لمرة واحدة في التاريخ، بأن يخرج عن المألوف، ويسجل من خلال القمة الطارئة في الدوحة موقفاً تاريخياً عملياً قوياً يعيد لأمتنا اعتبارها ومكانها ومكانتها بين الأمم، لتكون أمة يُخشى جانبها بدل أن تكون أمة مباحة ومستباحة، وذلك هو الأمر الطبيعي الذي يفترض ويليق بزعماء ووزراء خارجية احتشدوا في الدوحة من أكثر من 50 دولة عربية وإسلامية، بما يمثلونه من حجم في الميزان الدولي، اقتصادياً وديمغرافياً، كونهم نسبة كبيرة من سكان هذا العالم القائم على موازين مختلة ومجحفة، ويتربعون على ثلث ثروات العالم من الطاقة تحديداً.
مع الاستفادة من السياق الراهن، تغير المزاج السياسي والشعبي على المستوى الدولي تجاه كيان العدو وقادته كمجرمي حرب مطلوبين للمحاكم الدولية، وما يوازي ذلك من عزلة وقطيعة وعقوبات ومقاطعة على مختلف المستويات التجارية والاقتصادية والدبلوماسية والرياضية والفنية.. الخ، وما يرافق هذا وذاك من تظاهرات مستمرة في العالم شرقاً وغرباً.
وكان من بين المؤمل عربياً وإسلامياً ويمنياً أن يحذو زعماء أمتنا حذو إسبانيا وكوبا و… الخ وأن يسقطوا كل اتفاقيات التطبيع السابقة والحالية والمستقبلية، وذلك أضعف الإيمان، والأبعد من ذلك كان المؤمل أن يشكلوا غرفة عمليات عربية إسلامية مشتركة وموحدة لمواجهة المشاريع المهددة للأمن القومي العربي والإسلامي، عسكريا وأمنياً وسياسياً ودبلوماسياً وقانونياً… الخ.
اليمن.. الموقف المغيب في القمة الطارئة
لم يكن لليمن تمثيل رسمي في قمة الدوحة لأسباب يعرفها الجميع، والمؤسف أنه تم تقديم رشاد العليمي (دمية أميركا ومخبرها) على أنه ممثل لليمن واليمنيين مع أن الطروحات التي كتبت له كانت أقرب إلى تمثيل “إسرائيل” و”أميركا” ومصالحهما أكثر من كونها معبّرة عن شعب عريق كاليمن، تجري فلسطين وحب فلسطين في عروقه مجرى الدم عبر التاريخ، ولا سيما في مرحلة طوفان الأقصى، وشتان بين موقف حكومة السفارات التي يتحدث عنها كيان العدو كشريك، وبين موقف حكومة صنعاء التي قدمت نموذجاً مشرفاً على المستوى العسكري والشعبي، والكثير من التضحيات والأثمان في نصرة غزة وفلسطين، فكانت أول حكومة عربية تقدم رئيسها ومعظم وزرائها شهداء على طريق القدس.
من هذا المنطلق ولأن صنعاء لم تمثل -بين إخوة يوسف إن جاز التعبير- وجهت وزارة الخارجية في صنعاء رسالة قوية تخاطب كل المشاركين في القمة العربية الإسلامية الطارئة قبيل انعقادها أن يكون لهم “إجراءات عملية رادعة ومواقف عملية حاسمة بدلاً من بيانات الشجب والتنديد”، وهذا كان المأمول يمنياً كما كان مأمولاً عربيا وإسلامياً على مستوى الشعوب وبعض زعاماتها المخلصة لقضايا الأمة، لكن القمة كانت مخيبة بمخرجاتها، وأظهرت عمق الفجوة بين أسقف الحكام وآمال الشعوب، وكم أن زعماء العرب والمسلمين بعيدون عن إرادة وفلك الشعوب، وكم أنهم أقرب إلى الفلك الأميركي والإسرائيلي.
واقع القمة الطارئة.. كيف تحولت الفرصة إلى “خيبة أمل”؟
ما نكتبه في هذا المقال ليس تجنياً، أو تبخيساً، لا ضد الدوحة، ولا أي عاصمة عربية أو إسلامية، فاليمنيون كانوا من أول المتضامنين مع دولة قطر وشعبها الشقيق، وهم مستعدون للتضامن مع أي قُطر عربي أو إسلامي يتعرض للاستباحة الصهيونية، لا بالكلمة فقط بل بالموقف والسلاح والدم.
لكن الواقع أن القمة انتهت كما لو أنها لم تُعقد، إذ إن بيانها الختامي برغم ما حملة من كلمات وجمل وعبارات ومصطلحات مشحونة بالإدانة والشجب للعدوان على قطر والتضامن معها، فإن ذلك البيان لم يرتقِ إلى مستوى طموح أي مواطن عربي أو مسلم؛ لخلوّه من أي إجراءات أو قرارات رادعة بمستوى وحجم التحدي، فكانت القمة أشبه بتظاهرة سياسية وظاهرة صوتية أكثر من أي توصيف آخر، حتى العدو لا يراها أكثر من ذلك ولم يعد يهتم أو يكترث بقمم العرب والمسلمين وبياناتهم.
ففيما يصعّد العدو ميدانياً، تصاعدت تهديدات ترامب وروبيو ضد حماس، وبأنه لا حل مع وجود حماس ولا بد من نزع سلاحها، وعليها أن تسلّم جميع الأسرى الأحياء والأموات دفعة واحدة، وهذا يعكس اصطفافاً وشراكة وتبنّياً أميركياً واضحاً لشروط نتنياهو الخمسة، وتلك الشروط هي نفسها التي حملها وزير الخارجية الأميركي من الكيان إلى قطر، مع محاولة الضغط على الوسيط القطري بتجاوز توجيه الانتقاد لـ “إسرائيل” على مهاجمة الدوحة، والتركيز على تحقيق الأهداف الأميركية الإسرائيلية التي أشرنا اليها سابقاً.
وهذه الطروحات والسقوف العالية هي بمنزلة وصفة تفجيرية لكل فرص “السلام” المزعوم، وتنسف كل جهود الوسيطين القطري والمصري، لأن حماس بكل تأكيد لن تقبل تلك الشروط، ولن يقبل بها أي عاقل، لأنها فضلاً عن كونها مصادرة لكل تضحيات الشعب الفلسطيني وحقوقه، لم تُبقِ أي أرضية للتسوية، وهذا ما يؤكد انعدام الرغبة الأميركية والإسرائيلية في التهدئة وخفض التصعيد، وغياب ذلك يعني مزيداً من التصعيد والإبادة والتجويع والتدمير والتهجير، ويفتح فصولاً جديدة من الاستباحة و”الجحيم” الصهيوني الذي نراه اليوم في غزة قد يمتد إلى دول الطوق، وستعقد قمم وراء قمم، بلا قيم وبلا أدنى قيمة استراتيجية تكبح مشروع “إسرائيل الكبرى” ونتمنى ألا يحصل ذلك، لكن الأعداء يخططون وينفذون، وزعماء أمتنا لا يجيدون سوى التنديد والشجب ويقولون ما لا يفعلون وإن فعلوا فضد شعوبهم وأحرار أمتهم وفي خدمة أعدائهم، وليتهم يشكلون تحالف “عاصفة الحزم” و” التحالف الإسلامي” في مواجهة كيان العدو كما فعلوا في العدوان على أشقائهم في اليمن قبل عشر سنوات ولا يزالون بأشكال مختلفة من الحرب بما فيها التخادم الاستخباري مع العدو الإسرائيلي ضد اليمن.



