“إسرائيل” بين مواجهة إيران واستراتيجية عزل الجبهات

بقلم: العميد محمد الحسيني..
في ضوء الوقائع الميدانية المتسارعة خلال عامي 2025-2026، يمكن قراءة سلسلة قرارات حكومة العدو الإسرائيلي الأخيرة على أنها انتقال تدريجي من نمط إدارة الصراع إلى نمط الاستعداد لحرب إقليمية واسعة. هذا الانتقال لا يُفهم من قرار منفرد، بل من خلال تراكب قرارات أمنية وعسكرية وتشريعية تعكس تحوّلًا بنيويًا في طبيعة الحكم.
التصعيد في الضفة الغربية لم يعد مجرد عمليات أمنية متفرقة، بل أصبح جزءًا من عقيدة ردع جديدة تقوم على توسيع هامش استخدام القوة الثقيلة في مناطق كانت تُدار سابقًا بأدوات أمنية أخف. في هذا السياق، برز قرار نشر دبابات أو الاستعداد لنشرها لأول مرة منذ عام 2002، وهو مؤشر نوعي لأن إدخال سلاح مدرّع ثقيل إلى بيئة مدنية يعني انتقال العقيدة العسكرية من “ضبط أمني” إلى “مسرح عمليات”. هذا القرار جاء نتيجة ضغوط سياسية داخلية، وأن جيش العدو لم يستبعد استخدام الدبابات فعليًا إذا استدعت الحاجة العمليات الجارية، بل حتى الطائرات المقاتلة لدعم القوات البرية.
هذا التحول يرتبط مباشرة بطبيعة الحكومة الإسرائيلية الحالية، التي تميل إلى تفويض أوسع للمؤسسة العسكرية، بحيث لم يعد الجيش مجرد أداة تنفيذ، بل شريكًا في صياغة القرار الاستراتيجي. وتكشف بيانات أممية حديثة، أن العمليات العسكرية الجديدة والتوسع الاستيطاني في الضفة يهددان فعليًا إمكانية قيام دولة فلسطينية، ما يعني أن التصعيد ليس تكتيكيًا بل جزءًا من إعادة تشكيل الواقع الجغرافي والسياسي.
إدخال الدبابات إلى الضفة يحمل رسائل متعددة: للفلسطينيين بأنه مرحلة قوة نارية أعلى، وللداخل الإسرائيلي بأن الحكومة قادرة على فرض الردع، وللإقليم بأن إسرائيل مستعدة لاستخدام أدوات الحرب التقليدية في ساحات غير تقليدية، ولا يُقرأ هذا القرار بمعزل عن الاستعدادات العسكرية الأوسع المرتبطة باحتمال مواجهة مباشرة مع إيران، إذ تقوم العقيدة الإسرائيلية على مبدأ توحيد الجبهات العملياتية أي أن أي حرب كبرى مع قوة إقليمية ستتزامن مع تصعيد في الساحات القريبة لمنع فتح جبهات متزامنة.
هنا يظهر جوهر الاستراتيجية النووية الإسرائيلية، بحسب التسريبات والتحليلات السياسية، فإنّ نتنياهو اقترح على ترامب إمكانية توجيه ضربة ضد إيران في حال تدهور الصراع الإقليمي، بهدف إسقاط النظام الإيراني وتفكيك محور المقاومة، وهي خطة غير مسبوقة يمكن وصفها بأنها “يوم القيامة”. ترامب رفض الموافقة المباشرة، لكن إبقاء الخط الساخن مفتوحًا يوضح حجم الاحتمال الواقعي لاستخدام السلاح النووي في سيناريوهات الطوارئ القصوى. هذه المقاربة تمثل انتقال إسرائيل من إدارة الصراع التقليدي إلى اعتماد خيار استراتيجي نووي كآخر حل لتفكيك الجبهات وإعادة رسم الخريطة السياسية في المنطقة، تحديداً مشروع الدولة الفلسطينية.
تزامن ذلك مع خطة جيش الاحتلال تُجاه لبنان ضمن سيناريو حرب مع إيران، باعتباره الأخطر من حيث القدرة الصاروخية والكثافة النارية. تقوم الخطة على ثلاث مراحل: أولًا ضربة جوية استباقية واسعة تستهدف البنية الصاروخية ومخازن الذخيرة ومراكز القيادة، ثانيًا عمليات برية محدودة وعميقة داخل الجنوب اللبناني لتدمير منصات الإطلاق القريبة، وثالثًا إدارة معركة استنزاف طويلة تعتمد على التفوق الجوي والاستخباراتي، مع هدف واضح: تحييد القدرة النارية ومنع تشكّل توازن ردع متبادل، وليس احتلال الأرض.
من الجهة السورية، لا يُفهم الدور المحتمل بوصفه دعمًا مباشرًا لإسرائيل، بل كتحولات بنيوية بعد سقوط النظام السابق وخروج سوريا من محور المقاومة. أية دولة تخرج من محور معادٍ لإسرائيل تتحول تلقائيًا إلى ساحة أقل عدائية. لذلك سيكون دور سوريا في أي حرب إقليمية حيادًا نسبيًا، أو ضبطًا للحدود، أو منع استخدام أراضيها من قبل حزب الله، ما يقلّص عدد الجبهات النشطة ويخدم الاستراتيجية الإسرائيلية.
تزامن كل هذه العناصر -تصعيد الضفة، عسكرة القرار السياسي، احتمالية الضربة النووية ضد إيران، خطة لبنان، وتحول موقع سوريا- يدل على أن إسرائيل انتقلت من إدارة التهديدات إلى هندسة البيئة الاستراتيجية المحيطة بها. الهدف ليس فقط كسب حرب محتملة، بل حسمها سريعًا عند الحاجة، مع منع تشكّل تحالف إقليمي متماسك ضدها.
ما يجري ليس مجرد تصعيد أمني، بل إعادة تعريف لدور الدولة نفسها؛ كلما زادت احتمالات الحرب الإقليمية، اقتربت الحكومة من نموذج “الدولة العسكرية النووية”، حيث تتقدم الاعتبارات العملياتية الحاسمة على السياسة، وتتحول القرارات إلى أدوات تعبئة استراتيجية خطيرة وطويلة الأمد ضمن الغلاف الأمني للعدو.



