من الردع إلى التعاون الاستراتيجي.. روایة عن قوة إيران في مواجهة التهديدات المقبلة

بقلم: محمد محمودي کیا..
تشير التحركات الأخيرة على المستوى الإقليمي والانتشار العسكري الأمريكي إلى أن شن هجوم عسكري أمريكي ضد إيران بات وشيكًا.
لا تسعى الولايات المتحدة إلى مغامرة طويلة الأمد ومآلاتها غير معلومة مع إيران، وأي سيناريو تعده في هذا الصدد يستند إلى تحقيق مصالح فورية، أو على الأقل، جني مكاسب مطلقة في مقابل مضار عدم المواجهة مع إيران. يبدو أن قادة البيت الأبيض يسعون إلى تطبيق أقصى درجات الضغط على الجمهورية الإسلامية بهدف تطبيع إيران في ساحتي السياسة الخارجية والداخلية.
من هنا، يبدو أن الأهداف النهائية لهذه الضغوط تتمثل في حمل إيران على قبول المطالب الأمريكية على طاولة المفاوضات، وهو ما يعني القضاء على القدرة العسكرية الإيرانية، والإغلاق الكامل للبرنامج النووي، والتخلي عن الأنشطة الإقليمية ودعم محور المقاومة. إن قبول هذه الشروط سيعني بطبيعة الحال الإزالة الكاملة لكل القدرات العسكرية والدفاعية الإيرانية وإضعاف قوة الحكومة المركزية، بحيث إذا تحقق هذا الأمر، فسنشهد تكرار مشروع “سوریا” في إيران، مع احتمالية تكرار الهجمات اليومية على البنى التحتية للقوة الوطنية الإيرانية من قبل القوات الأمريكية والإسرائيلية المعتدية.
في المقابل، أظهرت الجمهورية الإسلامية الإيرانية في الحرب التي استمرت 12 يومًا “آخر تصعيد عسكري” أنها تمتلك قدرات استخباراتية وقوة تشغيلية هجومية كبيرة، ويمكنها توجيه ضربات حاسمة ضد أي عدوان ولأي هدف. هذه التجربة الميدانية زادت من ثقل المعادلات الاستراتيجية لصالح النظرة الإيرانية، ووضعت المحاسبين الأمريكيين أمام هذا السؤال الأساسي: هل يمكنهم تحمل الرد الإيراني القاطع؟.
كما أن الإجراءات الإيرانية في تعزيز التعاون الاستراتيجي مع الصين وروسيا في صمت إعلامي تدل على تعزيز مستوى الردع الإيراني وتجهيز القوات المسلحة بتقنيات متقدمة في مختلف المجالات الدفاعية اللازمة. هذا التعاون، ولأسباب أمنية، تكتنفه سرية عالية المستوى، ونادرًا ما يتم نشر معلومات وأخبار مؤكدة عنه. خبراء الاستراتيجيا الإيرانيون، بإدراكهم الصحيح لنوايا وأهداف المشروع الأمريكي، واستفادتهم من تجارب الحرب التي استمرت 12 يومًا، عملوا على تحسين أداء السياسة الخارجية وتعزيز القدرات الدفاعية والعسكرية للبلاد بأقصى ما يمكن في مواجهة التهديدات الجديدة.
كما لا يغيب عن الأنظار، أن الجمهورية الإسلامية تمكنت، رغم الخسائر والأضرار الجسيمة، من تجاوز حادثتين أمنيتين صعبتين ومعقدتين -الحرب التي استمرت 12 يومًا من الخارج وأحداث 7 إلى 21 [الفترة من 28 كانون الاول إلى 11 كانون الثاني] في الداخل- وتمكنت إلى حد ما من إدارة الأزمتين المذكورتين. فكل واحدة من هذه الأزمات، التي كانت لها طبيعتها وتعقيداتها الخاصة، لو وقعت في أي من الأنظمة السياسية الأخرى في العالم، لكان من غير الواضح ما إذا كان هيكل السلطة والحكم سيتمتع بالقدرة على الصمود في وجه ضغوط كهذه أم لا؟!.
ومع ذلك، في التجربة الإيرانية، نشهد صمودًا نظاميًا في مواجهة الأزمات؛ ففي الأزمة الأولى، بادر العدو المعتدي إلى طلب وقف إطلاق النار بفضل التدبير والحكمة والإدارة. وفي الأزمة الأخرى، ورغم مرارتها، ورغم كل التجهيزات الإعلامية وبعض الدعم ذي المصادر الخارجية، لم تتمكن الأزمة المذكورة من تحقيق أهدافها، أي إسقاط الجمهورية الإسلامية بنيوياً. ومع ذلك، من الواضح أن هيكل السلطة والنظام السياسي في إيران يحتاج إلى تدبير حكيم وترميم فوري لجذور الأزمات ذات المنشأ الداخلي بهدف منع تكرارها.
ومع كل هذا، أظهرت الجمهورية الإسلامية، أن لديها بنية قوية في مواجهة الأزمات وأنها أتقنت جيدًا أسلوب العيش داخل الأزمات. رغم ذلك، فإن كان أحد جانبي الأزمة -ونظرًا لإمكانية الوقاية من الجذور المكونة للأزمات الداخلية- يحتاج إلى تدبير فوري، فإن الجانب الآخر من الأزمة -ونظرًا لأن العوامل المؤثرة في تشكل الأزمات الخارجية أقل قابلية للإدارة مقارنة بالأزمات الداخلية- يتطلب تدبيرًا مختلفًا.
من المتوقع، مع إبعاد شبح الحرب أو الرد الحاسم على أي عمل عسكري ضد إيران، أن نشهد في غد ما بعد الحرب تسريعًا للتعاون في المجالات الاقتصادية والتجارية لمواجهة العقوبات الأمريكية. التطورات الجيوسياسية على مستوى النظام الدولي تؤكد إلى حد ما هذا السيناريو المتوقع. إن تعزيز وتعميق التعاون الأمني والعسكري مع الصين وروسيا سيمهد الطريق لتطوير العلاقات الاقتصادية والتجارية في المستقبل القريب، مما قد يؤدي إلى تحييد العقوبات الأمريكية.
تشير مجمل التطورات الميدانية والاستراتيجية إلى أنه على الرغم من جدية التهديد العسكري الأمريكي، إلا أن الجمهورية الإسلامية، من خلال تعزيز الردع، والإدارة الذكية للأزمات، والاستفادة من إمكانيات التعاون مع القوى الشرقية، تمكنت من تغيير المعادلة بحيث تكون أية مغامرة عسكرية مصحوبة بتكاليف باهظة وغير قابلة للحساب بالنسبة للمهاجم.



