اراء

عندما يبكي الرجال

بقلم: يسري الغول..

كنت عائداً إلى بيت العائلة حين طالعتني الخيام داخل مخيم الشاطئ بشكلها الجديد، المثير للحزن والشفقة، وقد اكتظت المحال التجارية الفارغة من البضائع بالبشر، وعربات متهالكة كثيرة أمام الأبواب تقوم بإنزال بعض الأغراض لعوائل جديدة نزحت من جباليا أو التفاح أو الشجاعية أو غيرها من المناطق التي يتم الآن نسفها بالصواريخ والربوتات المتفجرة، حتى وقعت عيناي فجأة على صديق لي، يسكن في مساحة متواضعة داخل محل كان يوماً “كوافير” لتجميل النساء والفتيات اللواتي فقدن جامعاتهن، مع الأسف، في هذه الحرب، يجلس القرفصاء ويبكي، دموعه التي لم يسبق أن رأيتها تخرج من مآقي العين، وكنت أعلم أنه فقد ابنه ذا الخمسة عشر عاماً شهيداً قبل أسبوع عندما توجه برفقة أقرانه للحصول على الطعام من شركة المساعدات الأمريكية (GHF)، وتحديداً عند منطقة زيكيم، فقد سرق الجوع كل شيء، وباتت غزة مقبرة.

توقفت وقلت له بينما يقف الباب الموارب بيني وبين دموعه: “عظم الله أجركم يا إبراهيم، الله يرحمه، راح للي أرحم منا”. كانت نظرات إبراهيم محمد سليم المزين (49 عاماً) عميقة، كأنها بئر بلا قاع، رد عليّ وهو غارق في البكاء: “مش قادر يا يسري، مشتاق أضمه، مشتاق له كتييير.”

حاولت تغيير الموضوع لعلّي أستطيع الهرب من هذا الموقف، وقد كنت أعلم أن أصغر أبنائه كان يجب أن يكون في المدرسة الآن أو النادي أو حتى المنزل يشاهد الرسوم المتحركة؛ لكنها الإبادة التي لا يريد الاحتلال لها أن تنتهي. سألته عن الطحين، فأجاب: “هو ليش راح للموت؟ عشان يجيب لنا طحين”. إذ عرفت خلال الحديث أنهم بلا خبز منذ أسبوعين، يعيشون على شوربة العدس التي استنزفت جيوبهم، إذ يصل ثمن الكيلو عشرة دولارات ولا بنوك أو رواتب في غزة كلها، والسيولة في ظل جشع التجار ومحال الصرافة يفوق الخيال، إذ يطلب هؤلاء نسبة تزيد على 40% مقابل تكييش المال، أي باتوا شركاء مع صاحب المال في ماله.

وقبل أيام، عدت ابن عمي ياسر زكي الغول (51 عاماً)، كان ساهماً في كل ما حوله، يضع يده التي أصيبت نتيجة استهداف الفصل المجاور لفصله المدرسي داخل مدرسة عدنان العلمي الثانوية بمنطقة حي المرابطين، على خده، تطفر دمعة على خده وهو يتأمل ابنه محمد ذا العشرة أعوام، وقد تم زرع مسامير بلاتين في قدميه بعد سقوط الجدار على جسده الصغير، إذ وقع القصف في الساعة الثانية فجراً بينما يأكل الأطفال مع الملائكة، ويحلمون بغدٍ مشرق، يتم فيه وقف الإبادة أو تغيير مسار الحرب الدائرة.

عندما حضرت إلى الفصل المحترق بفعل الصواريخ، المغطى بالشرائط والقماش، أشرق وجه ياسر فرحاً، فقد عزف الناس عن التحرك إلى أقرب الأماكن خوفاً من الاستهداف، حيث كل شيء مباح في شريعة الاحتلال، وصارت المعايدة أو المواساة تتم عبر الهاتف فقط.

عادت الابتسامة لوجهه وهو يقول لي: خطبنا للبنت، يقصد أن ابنته التي استشهد زوجها قبل عام ونصف وهي في ريعان شبابها قد تعود لها الحياة عما قريب برجل سيمنحها ميناء السلام، فمن الجرم أن تعيش بقية عمرها في جلباب رجل مات وهو في ريعان شبابه، فسألته مندهشاً: “مش الأفضل تتزوج بعد ما تخلص الحرب؟” أجاب وهو يغمس الخبز بالماء المملح مجدداً، ودمعة تخرج لتسقط فوق الخبزة الناشفة: “الله أعلم قديش نعيش! خليها تفرح بحياتها طالما الرجل ابن حلال”. توقفت عن ازدراد أو بلع أية لقمة، وتساءلت بيني وبيني: “هل يوجد جحيم كالذي تعيشه غزة؟ هل نحن بشر أسوياء؟” ثم قلت لياسر: “لوكتيش طيب؟” وهو على حاله، يقول كأنه كومبارس يؤدي دوره على خشبة المسرح، مواصلاً شكر الله على نعمة الخبز التي يفقدها ثلثا سكان قطاع غزة: “إحنا أحسن من غيرنا.. ثم فجأة يبكي ويبكي ويبكي”.

انسحبت من هناك وفي قلبي غصة، نيران لا تطفئها كل محيطات الكون، هل نحن نعيش القيامة؟ هل نحن في مرحلة الحساب والعذاب بانتظار دخول الجنة لنتحلل من كل هذا البؤس؟ أم أن المرحلة التالية من الجحيم لم تأت بعد؟ خصوصاً أن الجثث تُدفن في قبر واحد، يكتظ القبر بثلاث أو خمس جثث من أعمار مختلفة وظروف استشهادها مختلفة وتواريخ وفاتها أيضاً، تتحلل حتى يأتي ضيف جديد داخل القبر الذي لا يكف عن استقبال النازحين من الشهداء في ظل ضيق الأمكنة التي لم تعد تتسع للأحياء كي تتسع للشهداء.

في الطريق جلست مع شبان يجمعون أوراق الشجر ويطحنونها كي تصبح دخاناً يشبه الدخان العربي، مرفق بأوراق الملوخية وبعض ورق الدخان العربي، يشترون السيجارة بثمن سيجارتين “ميري” من أي بلد آخر، يهربون من واقعهم بنفث همومهم لتلك السيجارة التي تشبه السيجارة.

اليوم عند الظهيرة، كان العم أبو فؤاد، جمال الغرة (63 عاماً) يبكي ابنه البكر الذي أصيب قبل شهر في محاولة لإحضار الطحين لعائلته، لكنه لم يستسلم، فالجوع كافر، لذا قرر الذهاب إلى زيكيم، ليغرق في دمه شهيداً، برفقة العشرات من القتلى، حيث يصطاد جنود شركة المساعدات الأمريكية (GHF) وبعض جنود الاحتلال الشبان، يلعبون ببنادقهم في قنص من يرغبون من الغزيين الجوعى، كمادة للتسلية في ظل الحر الشديد، يمنحون تلك الأجساد راحة أبدية، بإطلاق النار على رؤوسهم بلا رحمة، فتعود الأجساد المغبرة إلى الخيام كي يبكي الرجال فلذات أكبادهم، بينما الجنود في الثكنات يَقتلون أكثر وأكثر، والعالم يتفرج على مسلسل الرعب منذ أكثر من واحد وعشرين شهراً من دون أن يشعر أي منهم بالخوف على مستقبل الأجيال الجديدة، التي شاهدت كيف يمكن لـ”دويلة” الاحتلال العبث بكل مكونات القوانين الشرعية والوضعية، والتي ستدفع العالم في لحظة جنون أن يمارس ذلك الفعل بحق دولة أو أمة.

غرق جمال وياسر وإبراهيم ومئات الآلاف من الآباء والأمهات في البكاء، كما غرقت غزة في الركام، والمدينة في العتمة، بينما ينام العالم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى