بين الشقيف والنبطية.. الجغرافيا التي تحدد مسار الحرب

بقلم: العميد محمد الحسيني..
تحت وطأة تصعيد عسكري غير مسبوق، تزدحم الشاشات ومنصات التواصل الاجتماعي بتسريبات وإحاطات صادرة من خلف الكواليس السياسية في تل أبيب. ولعل أبرزها ما نقلته صحيفة “يديعوت أحرونوت” العبرية عن وزراء إسرائيليين تحدثوا عن “السيطرة على 20% من مساحة لبنان”، في سياق الحديث عن واقع ميداني جديد يسعى، بحسب الرواية الإسرائيلية، إلى فرض معادلة أمنية مختلفة في الجنوب اللبناني.
غير أن الضجيج الإعلامي الذي رافق هذه التصريحات يطرح سؤالاً مختلفاً: هل تعكس هذه الأرقام تحولاً استراتيجياً حقيقياً في الميدان، أم أنها محاولة لتسويق إنجازات سياسية وعسكرية تتجاوز حجم الواقع على الأرض؟
أولاً: تضخيم الأرقام.. وفخ “النقاط العشرين” المحصنة
حين يتحدث الوزراء الإسرائيليون عن سيطرة برية على خُمس مساحة لبنان (أي ما يتجاوز الـ 2000 كيلومتر مربع)، فإن الحسابات الجغرافية المتاحة تثير تساؤلات جدية حول دقة هذا التقدير؛ إذ إن المساحات التي شهدت انتشاراً برياً مباشراً أو نشاطاً عسكرياً مكثفاً جنوب نهر الليطاني تبدو أقل بكثير من الرقم المتداول، ما يثير تساؤلات حول كيفية احتساب نسبة الـ20%. ومع ذلك، فإن هذا التضخيم الإعلامي يخفي خلفه واقعاً ميدانياً، يتمثل في انتقال الجيش الإسرائيلي من نمط الغارات البرية المحدودة إلى محاولة تثبيت حضور عسكري في عدد من التلال والمواقع المرتفعة ذات الأهمية التكتيكية.
وخلال الأشهر الأخيرة، جرى إنشاء أو تعزيز أكثر من عشرين نقطة وموقعاً عسكرياً محصناً على مرتفعات استراتيجية، من بينها قلعة الشقيف وتلال البياضة ومحيط الخيام والوزاني. وتوحي هذه الخطوة بمحاولة بناء شبكة مراقبة وسيطرة نارية تسمح بتقليص الحاجة إلى الانتشار الواسع داخل القرى والبلدات.
وفي الوقت نفسه، خلّفت العمليات العسكرية الواسعة دماراً كبيراً في العديد من المناطق الحدودية، وأدت إلى موجات نزوح واسعة، ما غيّر طبيعة المشهد السكاني والعمراني في أجزاء من الجنوب. وبذلك لم تعد السيطرة تُقاس فقط بوجود القوات على الأرض، بل أيضاً بقدرتها على منع عودة الحياة الطبيعية إلى بعض المناطق الواقعة ضمن نطاق العمليات.
ومع ذلك، فإن هذه المواقع المحصنة لا تعني بالضرورة سيطرة جغرافية شاملة بالمعنى التقليدي، بل تمثل نقاط ارتكاز عسكرية تعتمد على الارتفاعات الحاكمة وشبكات الإمداد والتحصين. وفي المقابل، تظل هذه المواقع عُرضة لمخاطر الاستهداف، سواء عبر المسيّرات الانقضاضية أو الصواريخ الموجهة، ما يجعل الحفاظ على استقرار طويل الأمد فيها تحدياً عملياتياً مستمراً.
ثانياً: من الليطاني إلى الشقيف.. تحول في المشهد الميداني
بعيداً عن المبالغات الإعلامية، شهدت الجبهة الجنوبية تطوراً ميدانياً بارزاً تمثل في وصول القوات الإسرائيلية إلى مناطق تقع شمال نهر الليطاني، من بينها محيط يحمر وأرنون وزوطر الشرقية، بالتزامن مع تعزيز الحضور العسكري في قلعة الشقيف التأريخية.
ويُعد هذا التطور من أبرز التحولات التي شهدتها المواجهة خلال الفترة الأخيرة، نظراً إلى الأهمية الجغرافية والعسكرية للموقع. فقلعة الشقيف، التي ترتفع مئات الأمتار فوق محيطها، توفر مجالاً واسعاً للرصد والمراقبة، وتمكن من متابعة التحركات في أجزاء واسعة من جنوب لبنان وإقليم التفاح.
ثالثاً: النبطية… اختبار القوة وحدود المغامرة البرية
في أوساط سياسية وعسكرية إسرائيلية، تبرز بين الحين والآخر تصورات تربط تحقيق أهداف الحرب بتوسيع نطاق الضغط العسكري على العمق الجنوبي اللبناني، بما في ذلك محيط مدينة النبطية، التي تشكل مركزاً إدارياً واقتصادياً ولوجستياً مهماً في الجنوب.
إلا أن أي تفكير في توسيع العمليات البرية نحو مدينة بهذا الحجم يصطدم بجملة من التحديات العسكرية المعقدة.
أول هذه التحديات يتمثل في طبيعة القتال داخل المدن. فالنبطية ليست بلدة حدودية صغيرة، بل مدينة ذات نسيج عمراني كثيف وشبكة طرق ومبانٍ متداخلة، الأمر الذي قد يقلص من مزايا التفوق التكنولوجي ويزيد من احتمالات الاشتباك المباشر.
أما التحدي الثاني فيتعلق بالكلفة البشرية المحتملة. فإدارة معركة طويلة داخل مدينة كبيرة تتطلب قوات كبيرة وجهداً لوجستياً متواصلاً، وقد تفرض أثماناً بشرية وسياسية يصعب تجاهلها داخل إسرائيل.
ويبرز كذلك العامل التأريخي؛ إذ لا تزال تجربة الوجود الإسرائيلي في جنوب لبنان بين عامي 1982 و2000 حاضرة في الذاكرة العسكرية والسياسية الإسرائيلية، بما حملته من استنزاف طويل وتحديات أمنية متراكمة انتهت بالانسحاب من الشريط الحدودي. ويجعل ذلك أي تفكير في توسيع نطاق السيطرة البرية أو تحويلها إلى وجود طويل الأمد موضع نقاش داخل الأوساط العسكرية والسياسية الإسرائيلية.
خاتمة.. الميدان في سباق مع الدبلوماسية
في ضوء هذه المعطيات، تبدو الاستراتيجية الإسرائيلية الحالية أقرب إلى الجمع بين التمركز في المواقع المرتفعة واستخدام القوة النارية المكثفة كورقة ضغط في أي مسار تفاوضي محتمل، بدلاً من الانخراط في عمليات توغل واسعة داخل المدن الكبرى.
وفي المقابل، تواجه نقاط السيطرة الإسرائيلية الجديدة تحديات أمنية مستمرة نتيجة الاستهداف المتكرر ومحاولات الاستنزاف، ما يطرح تساؤلات حول قدرتها على التحول إلى واقع دائم ومستقر.



