اخر الأخبارثقافية

لوحات عمر المطلبي.. حكايات عن أهوار العراق للإمساك بمعنى الهوية

المراقب العراقي/ علي ابراهيم  ..

افتُتح المعرض الشخصي السابع للفنان عمر المطلبي، بعنوان “أهوار”، في قاعة المعهد الفرنسي ببغداد، وبحضور نخبة كبيرة من الفنانين والصحفيين، وهو عرض يختزل اشتغاله الأخير على مفترق الواقعية التجريدية، حيث يتخذ من الأهوار موضوعاً مركزياً، لكنه لا يتعامل معها كمكان جغرافي فحسب، بل كحقل بصري مفتوح على سؤال الهوية.

تحدث المطلبي عن معرضه قائلا: “ليست الأهوار هنا مكانا فحسب، بل هي بحث مستمر في الواقعي والمجرد في آن واحد، ومحاولة للإمساك بمعنى الهوية، فمعضلة الفنان تكمن في الرؤية، كما أن معضلة الوطن تكمن في الهوية، والفنان ليس إلا ذلك المتأمل الذي يحمل ثقل التأسيس المتواصل لمفهوم الهوية وإعادة إنتاجه بصريًا وفكريًا. إن جموع الفنانين ليست سوى خلايا اجتماعية تمتلك حلمًا مستقبليًا، وهذا الحلم يتحقق عبر تقارب الرؤى الفنية وتفاعلها. لذلك كانت ثنائية التراث والحداثة، ولا تزال، ذلك المعول الذي يحرث الأرض ذاتها في كل مرة لإعادة تشكّل الهوية ضمن متغيرات الزمن وتحولاته الاجتماعية والثقافية والعلمية”.

إن الهدف من هذا المعرض هو تقديم الواقعية التجريدية بوصفها اتجاهًا لا يبتعد عن المعاصرة ولا يقترب من النقل الواقعي المباشر، مع محاولة متواضعة لصياغة أسلوبية خاصة، إذ إن تنوع الأساليب وحركتها يشكلان الهيكل الأساس لكل ما هو فن.

لقد دخلت الأهوار هنا بوصفها ذاكرة بصرية وتراثية لإعادة التأكيد على معنى الهوية وحضورها الوجداني داخل السياق الاجتماعي، فالجوهر هو ما يمنح الإحساس الداخلي القدرة على خلق حوار بين الواقع والخيال؛ واقع تحوّل إلى بيئة وجغرافيا تسطحت وتجردت، بينما منحنا الخيال ذلك البعد العاطفي الذي يعيد تشكيل المكان في الذاكرة والوجدان، فاللون وحرية الأداء كانا الركيزة الأساسية لما نتج من أشكال ومناخ بصري، كما أن حجم الاختزال شكّل عاملاً مهمًا للحفاظ على حداثة هذا العرض رغم واقعيته وتشخيصيته.

المرأة في لوحات المطلبي ليست مجرد عنصر تشخيصي، إنها رمز للأرض، وللخصوبة، وللاستمرارية الثقافية.. فهي تظهر النساء بالزي التقليدي (العباءة)، مما يحيل إلى قيم الحشمة والتقاليد العريقة، وتجسد المرأة العاملة التي تحمل المحصول القدرة على التحمل والعطاء، كما أن الحجاب والعباءة ليسا عائقين، بل هما جزء من هويتها المتجذرة في هذا المكان.

والبيئة النهرية التي تظهر بشكل متكرر كخلفية، ليست مجرد مشهد طبيعي، بل هي فضاء روحي وتأريخي. القوارب الطويلة والرفيعة (المشاحيف)، والقصب، والماء، تخلق عالماً يمتزج فيه الواقع بالأسطورة، حيث يتحول المشهد إلى قصيدة بصرية عن الوجود الإنساني المتناغم مع الطبيعة.

ينتمي أسلوب المطلبي إلى التعبيرية التشخيصية المجردة، هذا الدمج بين التشخيص والتجريد يخلق حالة من الغموض والدراما. الأشكال ليست محددة بدقة، بل هي مشوشة رائعة، مما يعطي إحساساً بالعمق والحلمية.

تعد تقنية المطلبي من أبرز سماته الأسلوبية. هو يستخدم ضربات فرشاة واسعة، قوية، ومليئة بالعاطفة مما يخلق سطحاً نسيجياً كثيفاً وملموساً في أغلب أعماله، هذا الملمس يضيف بعداً مادياً للوحة، ويحولها من مجرد نافذة بصرية إلى كائن مادي يتنفس. يبدو استخدام سكين الرسم واضحاً في بعض الأحيان لخلق الأسطح الخشنة.

يعتمد المطلبي على ألوان غنية، دافئة، وترابية (الأوكر، البني، الذهبي، القرمزي) تباينت مع الألوان الباردة (التركواز، الأزرق، النيلي). هذا التباين يخلق توتراً بصرياً يعزز الدراما العاطفية. الضوء في لوحاته ليس ضوءاً طبيعياً كاشفاً، بل هو ضوء غامض، درامي، وأحياناً خلفي مما يخلق هالات من الغموض ويحول الشخصيات إلى أيقونات نورانية. التأثير العام هو التعبيري، الذي يركز على العاطفة لا على التفاصيل الواقعية.

تتميز تكويناته بالتركيز على الشخصية الواحدة أو الثنائية في المقدمة، مع خلفية مجردة إلى حد كبير. هذا التركيز يعزل اللحظة الشعورية ويخلق حواراً مباشراً بين المشاهد والشخصية.. يظهر التكوين الأفقي الواسع للمشهد النهري، مما يبرز اتساع المكان وشموليته.

أعمال عمر المطلبي هي حكاية بصرية متسلسلة عن العراق، تمزج بين الحنين والحقيقة، فهو ينجح في تحويل المشاهد اليومية البسيطة إلى لحظات أسطورية محملة بالمعاني. قوة تعبيره تكمن في الملمس، واللون، والضوء، مما يجعل كل لوحة تجربة حسية وعاطفية عميقة.

يمكن تحديد التأثيرات على المطلبي من خلال تأثره بشاكر حسن آل سعيد (تأثير في البعد الروحي والتجريدي)، ويمكن رؤية تأثير جماعة “البعد الواحد” وآل سعيد في اهتمام المطلبي بملمس السطح، وفي تحويل الأشكال إلى رموز غامضة ومحملة بالروحانية، تجريد الخلفيات في لوحات المطلبي يذّكر ببعض أعمال آل سعيد التي تركز على الجوهر لا على الشكل، كما يبرز تأثير جواد سليم (على مستوى الرموز العراقية القديمة والحديثة) على الرغم من اختلاف الأسلوب، فاحتفاء المطلبي بالرموز المحلية (المرأة، العباءة، القارب) يتماشى مع فكر جواد سليم في البحث عن الهوية الوطنية من خلال التراث والحياة الشعبية.

ويشارك المطلبي فائق حسن في اهتمامه بالحياة الشعبية والتشخيص التعبيري، وإن كان المطلبي يميل أكثر نحو التجريد والملمس الخشن.. وحتى في ضربات وسحبات فرشاته وسكينته.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى