طبول الحرب من طهران.. هل دخل الشرق الأوسط مرحلة كسر قواعد الاشتباك؟

بقلم: د. ميساء المصري..
ما يجري اليوم في الشرق الأوسط لا يمكن قراءته باعتباره مجرد رد عسكري إيراني على قصف إسرائيلي للضاحية الجنوبية لبيروت، بل بوصفه مؤشراً على تحول أعمق في بنية الصراع الإقليمي. فالحروب الكبرى لا تبدأ عادة بقرارات معلنة، وإنما بسلسلة من الخطوات المتبادلة التي يعتقد كل طرف أنها قابلة للاحتواء، قبل أن تخرج فجأة عن نطاق السيطرة.
إعلان إيران مسؤوليتها عن استهداف مواقع داخل إسرائيل، وتحذيرها من أن أي رد إسرائيلي أو توسيع للهجمات على لبنان سيُقابل بهجمات أكثر تدميراً، ينقل المواجهة من مرحلة الرسائل السياسية والعسكرية إلى مرحلة إعادة اختبار خطوط الردع الْحُمر. طهران لا تريد أن يظهر المشهد وكأن الضاحية الجنوبية لبيروت أصبحت ساحة مستباحة دون ثمن، كما لا تريد أن تتآكل مصداقية تهديداتها أمام حلفائها وخصومها في آن واحد.
لكن الأخطر من الضربة نفسها هو السياق الذي جاءت فيه. العملية وقعت في لحظة كانت فيها المنطقة تعيش حالة ترقب حذر لمسار التفاوض غير المباشر بين واشنطن وطهران. لذلك فإن الخطاب الإيراني الذي يتحدث عن أن إسرائيل أحرقت طاولة المفاوضات ليس مجرد توصيف إعلامي، بل محاولة لتقديم الرواية الإيرانية للصراع بأن إسرائيل لا تستهدف لبنان فقط، بل تستهدف أيضاً أي فرصة لإعادة ترتيب التوازنات السياسية في المنطقة.
في المقابل، تبدو إسرائيل أمام معضلة استراتيجية معقدة.
غير أن المشكلة تكمُنُ في أن المنطقة لم تعد كما كانت قبل سنوات. فإسرائيل تواجه اليوم شبكة مترابطة من الجبهات والفاعلين، فيما تمتلك إيران أدوات ضغط عسكرية وسياسية تمتد من الخليج إلى شرق المتوسط. لذلك فإن أي مواجهة مفتوحة لن تكون نسخة مكررة من الحروب السابقة، بل صراعاً متعدد المستويات يمتد من الميدان العسكري إلى الاقتصاد والطاقة والملاحة البحرية.
والسؤال الذي نطرحه الآن، هل ما نشهده هو رد محدود أم بداية مسار تصعيدي يصعب إيقافه؟
حتى هذه اللحظة يبدو الرد الإيراني أقرب إلى الضربة المحسوبة منه إلى إعلان حرب شاملة. فطهران تدرك أن الحرب الواسعة قد تستنزف قدراتها وتضعها في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، لكنها في الوقت نفسه تدرك أن الصمت قد يُفسَّر ضعفاً استراتيجياً. ومن هنا يمكن فهم المعادلة الإيرانية الحالية، رد يكفي لحفظ الردع، دون أن يصل إلى حد الانفجار الكامل.
إلا أن التأريخ يعلمنا أن الحروب لا تُقاس فقط بنوايا الأطراف، بل أيضاً بتفاعلات الأحداث. المؤشر الأخطر اليوم ليس عدد الصواريخ ولا حجم الأضرار، بل تآكل المسافة الفاصلة بين الحرب المحدودة والحرب الشاملة. ففي السابق كانت هناك قنوات خلفية للاحتواء، أما اليوم فإن تصاعد الخطاب السياسي والعسكري يجعل التراجع أكثر صعوبة، ويجعل قرار التصعيد أسهل من قرار التهدئة.
هنا يبرز العامل الأمريكي بوصفه العنصر الأكثر حسماً. الولايات المتحدة لا تريد حرباً إقليمية واسعة، خصوصاً في ظل انشغالاتها الدولية الأخرى، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع تجاهل أمن إسرائيل أو السماح بانهيار هيبة الردع التي تمثل أحد أعمدة نفوذها في المنطقة. ولذلك فإن أي توسع للمواجهة قد يفرض على واشنطن خيارات لم تكن ترغب في الوصول إليها.
من ناحية أخرى، فإن التهديدات الإيرانية التي تتحدث عن استهداف المصالح الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة، وربطها بين التصعيد العسكري والملفات الاقتصادية مثل الأصول الإيرانية المجمدة، تكشف أن المواجهة لم تعد عسكرية فقط. إنها معركة نفوذ وإرادات تتداخل فيها الجغرافيا السياسية مع الاقتصاد والطاقة والتفاوض الدولي.
ما يحدث اليوم قد ينتهي خلال أيام عبر إعادة إحياء قواعد الردع التقليدية، وقد يتحول إلى نقطة انعطاف تأريخية تعيد رسم موازين القوى في الشرق الأوسط. الصراع لم يعد يدور فقط حول لبنان أو إسرائيل أو إيران، بل حول شكل النظام الإقليمي المقبل، من يضع قواعده؟ ومن يملك حق الردع؟ ومن يفرض شروط التسوية؟
لهذا فإن السؤال الحقيقي لم يعد، من أطلق الصاروخ الأول؟ بل، هل ما زالت المنطقة تمتلك القدرة على منع إطلاق الصاروخ الأخير؟
فبين ضاحية بيروت وطهران وتل أبيب، يقف الشرق الأوسط مرة أخرى أمام لحظة مفصلية قد تحدد ملامح عقد كامل من الصراعات والتحالفات والتحولات الاستراتيجية. وإذا كان الرد الإيراني قد بدأ بوصفه رسالة، فإن الخطر يكمُنُ في أن تتحول الرسائل المتبادلة إلى حرب لا يريدها أحد، لكنها تصبح واقعاً لأن الجميع اعتقد أنه قادر على التحكم في حدودها.



