اراء

الأوطان لا تبنى بالشفلات.. بل بالعدالة

بقلم: جمعة ارحيمة الفرطوسي ..

في بلادٍ تتهدم فيها العدالة قبل أن تهدم البيوت، خرج محافظ البصرة أسعد العيداني بشفلٍ أصفر، لا ليبني مدناً، بل ليهدم آمالاً، مدفوعاً بمثالية مستوردة من كتالوجات الحُكم في ضواحي باريس، نسي -أو تناسى- أنه يحكم في مدينة أنهكتها الصراعات، وتبددت فيها الأحلام تحت عجلات الفساد والوجع المتوارث.

إن القانون، لا يبدأ من على أطلال الأكواخ، بل من قصور العدالة الاجتماعية، القانون ليس مطرقةً تُهوى على سقوف من الصفيح، بل هو وعد مكتوب بحبر الحقوق والكرامة، فكيف يطلب من المواطن أن يكون مثالياً في سلوكه، وأنت تمعن في انتزاع إنسانيته؟ كيف تحلم بمدينةٍ لا تجاوز فيها، وأنت لم تزرع شبراً واحداً يمكن أن يسكنه الفقراء دون خوف؟.

يجب أن لا يكون المسؤول مثالياً في السلطة على حساب الجائعين، صارماً مع المعدمين، متحضّراً في خطاباته، قاسياً في أفعاله، متناسياً أن القانون لا يعلو فوق الجوع، ولا يُطبّق في الفراغ، ولا يُفرَض على من لا يملك سقفاً يقيه حرّ البصرة ولهيب الحاجة .

تهديم بيوت الفقراء -أيًا كانت مبرراته- لا يمكن أن يكون بدايةً للإصلاح، بل هو نهاية للثقة المتبقية بين المواطن والدولة. فأن تهدم بيتًا دون أن تبني بديلًا، يعني أنك تهدم الدولة ذاتها، وتعلن فشلها في أول وأبسط مهامها وهو صون الكرامة الإنسانية.

لماذا لا يُطبّق القانون على من حوّل الموازنات إلى حسابات شخصية؟ لماذا لا يُحاسب من سرق خيرات البصرة من تحت أرجل أهلها، وتركهم عطشى على ضفاف أنهار النفط؟ لماذا يُمنح الفقراء سوط القانون، بينما يُفرش للنافذين بساط الاستثناء؟

الجو الباريسي الذي يحلم فيه البعض والمطبلون له، لا يُهدم فيه بيتٌ قبل أن تُؤمّن بدائل محترمة فيه، لا يُحاسب المواطن قبل أن تُحاسب الدولة نفسها على تقصيرها، أما في بصرتنا المنهكة، فإن الفقير يُطارد، والمهجر يُعاقب، والمحروم يُعامل كجريمةٍ تمشي على قدمين .

كفاكم تجميلاً للخطأ برداء القانون، وكفاكم طعناً في كرامة الناس بحجة “التنظيم”، فمن يريد أن يبني مدينة، عليه أولاً أن يبني إنساناً.. لأن الأوطان لا تُبنى بالشفلات.. بل بالعدالة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى