اراء

التأريخ يعيد نفسه.. لا نتعلم من أخطائنا

بقلم: أ.د. طالب أبو شرار..

ربما في الحالة العربية فقط يستنسخ التأريخ نفسه تقريبا بلا تغيير يذكر باستثناء الشخوص والمكان والزمان. ولأنه يعرف أننا لا نتعلم من دروس الماضي، يكرر التأريخ نفس المواقف السابقة وهو على ثقة بأننا سنرتكب ذات الحماقات.

دعوني أبدأ من تحرير القدس عام 1187، فبالرغم من فظاعات الفرنجة قبل تحرير المدينة المقدسة إلا أن صلاح الدين لم تحركه غريزة الثأر بل تصرف بعقليتنا الإنسانية السمحة وليس بعقليتهم الوحشية فحافظ على أرواح وممتلكات الفرنجة في المدينة بل أطلق سراح الفقراء منهم بدون فدية وسمح للجميع بالمرور الآمن الى يافا في طريق إبحارهم الى البلاد التي قدموا منها. ثم وعندما سلمت حامية عكا المدينة الباسلة التي حاصرها الملك البريطاني ريتشارد نحو عامين (من آب 1189 الى حزيران 1191) نظم ذلك السفاح عملية قتل للحامية وأفراد أسرها بعد وعود سابقة بالأمان إن سلمته المدينة. كان صلاح الدين الأيوبي يرقب ذلك المشهد الدامي وهو عاجز عن مد يد العون للحامية المستسلمة. كان مشهدا يدمي القلوب وربما كان صلاح الدين بحاجة الى مثل ذلك المشهد الوحشي ليتعرف على طبيعة عدوه الدموية. ومنذ تلك الحادثة أقسم السلطان ألا يأخذ أسيرا إفرنجيا حيا، عليه أن ينطق بالشهادتين أو أن يقتل! ربما بسبب ذلك الموقف خرج الى العلن المثل المعروف: “أَسلِم تَسلَم”.

بعد ثمانية قرون ونيف وبعد تيقن الفلسطينيين بأن الحكم البريطاني لبلادهم ماض في تسليم وطنهم الى العصابات الصهيونية الغازية والمتوحشة، كان لا بد من ثورة عارمة على المحتل. انطلقت تلك الثورة على شكل إضراب عام ابتدأ في مدينة يافا في العام 1936 مما دفع بسلطات الاحتلال البريطاني الى فرض الاحكام العرفية والى حل الهيأة العربية العليا التي كان على رأسها المفتي الحاج أمين الحسيني. ورغم القمع البريطاني، استمرت الثورة حتى 26 آب من العام 1939 أي مع بداية الحرب العالمية الثانية في الأول من أيلول من ذلك العام. نتج عن تلك الثورة مقتل أكثر من 5 آلاف فلسطيني واصابة 15 الفا آخرين بجروح على أيدي القوات البريطانية (ما يربو على 2.5% من الفلسطينيين آنذاك) وفر الحاج أمين الحسيني الى سوريا (الخاضعة للانتداب الفرنسي) لتفادي اعتقاله. ولأن الحرب العالمية الثانية كانت على الأبواب وأصبحت القوات البريطانية في وضع حرج إذ حاصرها الفلسطينيون في ثكناتها رغم استدعائها العديد من قواتها من مصر والهند. ولتفادي الهزيمة الماحقة، لجأت بريطانيا الى الزعماء العرب من أجل الوساطة مع الفلسطينيين. لن أقول صدَقَ الفلسطينيون حسن النوايا البريطانية بإيجاد حل مقبول لقضيتهم العادلة لكن، وللحقيقة، كانت قواهم قد استنزفت في صراع مع أعتى الإمبراطوريات الاستعمارية فمالوا الى منطق المهادنة. وهكذا، انتهت الثورة الفلسطينية التي امتدت لثلاث سنوات عجاف لكن أياً من أحلام النوايا الحسنة لم يتحقق بل ازدادت شراسة العصابات الصهيونية وكلنا يعرف التفاصيل اللاحقة وخاتمة الفصل الأول من النكبة الفلسطينية في العام 1948.

في هذا الشهر الخامس من العام 2025، جاء “بطل السلام” الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الى منطقة الخليج في زيارة عابرة كان هدفُها معلناً منذ فترة سابقة وبلا مواربة. وبالرغم من إعلان هدف الزيارة إلا أن البعض من الأشقاء العرب رأوا في تلك الزيارة فرصة لإثبات نوايا الفلسطينيين الحسنة لسيد البيت الأبيض، وهو الذي يجاهر بدعمه للكيان الصهيوني وبعزمة تفريع قطاع غزة من الفلسطينيين ولا يتأسَى على ذبح الأطفال الرضع وتجويع الجميع، كبارا وصغارا، نساءً وأطفالا. لاحظوا كان المطلوب من أولئك البؤساء إظهار نواياهم الحسنة! الشعب المقهور في غزة والجالس تحت حد السكين الصهيوني المجرم مطلوب منه إظهار النوايا الحسنة لجلاديه! كيف لمثل أولئك المحاصرين والمراقبين برا وجوا وبحرا وبكل أدوات التجسس والتنصت الإلكترونية المتطورة أن يظهروا حسن نواياهم؟ طُلب إليهم (ولا أظنه كان طلبا عابرا) التنازل عن أهم ورقة مساومة بين أيديهم: إطلاق سراح الجندي “الإسرائيلي”-الأمريكي عيدان ألكسندر! كان من المفروض أن يتموضع إطلاق سراح ذلك المجرم في ذيل قائمة المفرج عنهم من الأسرى، ببساطة لأنه كان يعيش حياة رغيدة في الولايات المتحدة وقرر طواعية أن يهجر حياة الرغد تلك وأن يتطوع في جيش العدوان والإجرام الصهيوني مدفوعا بتوحشه وليساهم في قتل الأبرياء الفلسطينيين وتهجير من يتبقى منهم حيا. المفارقة الصادمة في هذا المقام كانت موافقة المقاومة الفلسطينية على إطلاق سراح ذلك المجرم بلا قيد أو شرط كإدخال بعض شاحنات المساعدات أو وقف العدوان لفترة وجيزة أو تقييد حركة الطيران والتجسس على قطاع غزة خلال الفترة التي يفترض أن يتم فيها إطلاق سراح ذلك الجندي كما جرى في الحالات السابقة.

أُطلِقَ سراحُ الجندي عيدان وتساءلت أنا، وأنا غير الخبير العسكري، كيف يتم ذلك دون أن يعرف الصهاينة من أين خرج الأسير والى أين سيعود آسروه؟ وفعلا جاء الشكر الأمريكي والصهيوني على بادرة حسن النية تلك بنفس أسلوب الملك البريطاني ريتشارد قبل أكثر من ثمانية قرون وثلاثة عقود من الزمن. لقد أغارت طائراتهم أمريكيةُ الصنعِ والمزودةُ بالصواريخِ الأمريكية الثقيلة على المربع السكني الذي خرج منه الأسير. ببساطة، لأن منطق الأمور يفترض أن أسيرا بهذا الوزن لابد أن يكون في معيةِ قائدٍ كبير ولا بد أيضا من استغلال الفرصة لقتله وإن رافق ذلك قتل مئات الأرواح البريئة كما فعلوها أكثر من مرة من قبل في غزة ذاتها وفي جنوب لبنان.

لقد هزمونا بالأمس وعبثوا بعقليتنا الجمعية وهاهم يغلبوننا اليوم لأنهم يعرفون كل شيء عنا فكريا وحضاريا وثقافيا واجتماعيا واقتصاديا بينما نجهل عنهم الكثير. نحن نفتقر الى المتخصصين في الثقافة الغربية والى مراكز الدراسات المكرسة لهذا الشأن والتي يجب أن تنتشر في كافة الأقطار العربية. لو كنا نعرفهم حقا لما ارتكبنا حماقات الماضي ولو كانت لدينا مثل تلك المراكز لما فكروا قط بإعادة أحداث التأريخ وبنفس الأساليب السابقة. ولأنهم يعرفوننا جيدا، هم يعرفون كيف يتسللون الى داخلنا الفطري تماما كالفيروسات القاتلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى