اراء

أهمية القـــدوة ودورهــــا في مدرسة أهل البيت «عليهم السلام»

 

القدوة هو الذي يقتدى ويحتذى به من حيث جعله أسوة ومثالاً ونموذجاً لسلوكيات وتصرفات الآخرين. وفي لسان العرب: يقال قدوة لما يقتدى به. وقال أيضا: والقدوة ما تسننت به, والإقتداء هو طلب موافقة الغير في فعله، وإتباع شخصية تنتمي إلى نفس القيم التي يؤمن بها المقتدي،وعادة ما يمثل شخص المقتدَى به قدراً من المثالية والرقي والسمو عند أتباعه ومحبيه، والقدوة تنطوي في داخلها على نوع من الحب والإعجاب الذي يجعل المقتدِي يحاول أن يطبق كل ما يستطيع من أقوال وأفعال,وهناك العديد من الآيات الشريفة التي تحدثت عن الاقتداء بالأنبياء والرسل والمؤمنين لما يشكلون من قيمة في حياتهم سواء على مستوى السلوك أم الفكر. فإذا كان هدف الأنبياء هداية البشر فإنهم سيؤدون هذا الدور بسلوكهم وأفكارهم إذ ينبغي أن يكون وجودهم وسيلة للهداية, فإن للقدوة أهمية واضحة على مستوى الحركة الاجتماعية والتربوية. لأن الوصول إلى مرحلة من مراحل التكامل البشري حيث ينتفي الشر ويسود العدل والوئام وبالتالي بناء مجتمع سليم يقوم على أساس المبادئ والقيم والأفكار التي من شأنها السمو إلى أعلى المستويات،كل ذلك يقتضي وجود قدوة يتبعها الأفراد وتشكل نموذجاً فريداً ومهماً على مستوى المجموع،وذلك بغض الطرف عما إذا كانت القدوة تتمثل في شخص بشري تشكل سلوكياته وأفكاره وممارساته وحركة حياته والقيم التي يتبعها،قدوة للآخرين؛أو أن تتجلى القدوة في عقيدة أو فكر أو نموذج أو مثال معين.القدوة واحدة من أهم وابرز أساليب التربية. وإذا كان المقصود في الاجتماع البشري الوصول إلى مرحلة إنتاج فرد سليم ومفيد للمجتمع فإن ذلك لن يتحقق من دون العمل على جعل الأفراد سالمين مفيدين فتكون القدوة أهم وسيلة لتحقيق ذلك. ولو عدنا إلى التاريخ البشري وتاريخ الأديان لوجدنا أن القدوة قد لعبت هذا الدور التربوي إذ أنها تفيد في نقل الأفكار والقيم والسلوكيات الصحيحة إلى الآخرين. وقد تشير هذه المسألة إلى عدم منفعة التلقين الذي يتبعه البعض في العملية التربوية. فقد لا يقتنع ولا يؤمن الفرد إذا وجد أن الملقن لا يؤمن ولا يعتقد ولا يوقن،أما عندما نقدم القدوة كنموذج أساس للتربية فإن التأثير في النفوس سيكون أقوى لا محالة,لا تتحقق القدوة في الشخص إلا إذا اجتمعت لديه بعض الأركان والخصائص التي تجعله قدوة في نظر الآخرين ومنها:
الصلاح: وهي حالة أو هيئة تظهر عند الشخص تكون نتيجة عوامل متعددة من أبرزها (عند أصحاب الأديان): الأيمان وحسن الاعتقاد بالدين الذي ينتسب إليه والفضائل التي ينادي بها. وكذلك لا بد من توفر العبادة وهي العمل بأحكام ذاك الدين والشرائع التي سُنّت فيه، وبالتالي الابتعاد عن كل ما هو مخالف لهذه الشريعة، ثم إن الصلاح يحصل من خلال الإخلاص والذي هو الأساس المهم للصلاح لأنه هو العنصر الذي يظهر ويتجلى في حركات وسكنات المقتدى.
حسن الخلق: لعل حسن الخلق عامل أساس في شخصية القدوة،يتجلى ويظهر عند تعامل المقتدى مع الناس. ومن هنا جاء قول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق” للدلالة على جوانب القدوة في شخصيته إذ يبين ما تحتويه وما تختزنه هذه الشخصية من مكارم وفضائل ولتبين أهداف البعثة والتي هي إيصال الأخلاق إلى أوجها، مما يجعل هذه الشخصيات محط أنظار الغير ومؤثرة في حركتها وحياتها الاجتماعية.موافقة القول العمل: من المقتضيات الأساس لصيرورة الشخص قدوة ان يشاهده المقتدون وقد توافق قوله مع عمله لأن الناس تدرك حقيقة المفاهيم والفضائل إذا تجلت افعالاً.
الخلاصة إذا كان للقدوة ذاك الدور المهم والضروري فإن الأهمية والضرورة تبرز عند الحديث عن دين إلهي يحمل في طياته القيم الإنسانية الراقية التي ترتفع بالإنسان إلى أعلى مستويات الصفاء والطهارة والرقي فتجعله في مصاف الأخيار والصالحين والمفيدين على مستوى الاجتماع البشري،ولكن وقبل كل شيء وكما نلاحظ من بعض الروايات الشريفة الواردة عن المعصومين فإنهم كانوا (عليهم السلام) يدعون أتباعهم ليجسدوا الدين والدعوة الإلهية بأعمالهم وأفعالهم قبل الأقوال وهذا يعني أن دين الله تعالى يتجسد بشكله الواقعي إذا كان مدّعو الأديان يجسدون حقيقة الدين بشكل عملي. من هنا ينبغي القول أن نشر دين الله تعالى لن يتحقق بشكله الحقيقي إلا إذا عمدنا إلى تربية أشخاص يجسدون القدوة في حياتهم وممارساتهم العملية،وهذا يعني أن الشخصانية يجب أن تبرز في المستوى الضروري لتقديم صورة عن الدين وبذلك نضمن قبول الآخرين وإيمانهم وثباتهم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى