اراء

هرمز الذي كسر ظهر ترامب

بقلم/ د. رحمة حمدي شير..

إيران تقوم بتحول جيوسياسي غير موازين القوة في المنطقة، فلم يعد مضيق هرمز مجرد شريان للنفط، بل سلاحاً إيرانياً يكسر إرادة أقوى جيوش العالم. فبين حزيران -يونيو 2025 وآذار – 2026، حوّلت طهران الممر المائي إلى ساحة حرب غير متكافئة، أوقعت فيها إدارة ترامب في مستنقع لم تتوقعه.

“شريان الحياة” في قبضة طهران

يمتد المضيق لـ167 كيلومتراً، لا يتجاوز عرض أضيق نقطة فيه 33 كيلومتراً، مقسماً إلى ممرين لا يزيد عرض كل منهما عن ثلاثة كيلومترات. جزر قشم وهرمز ولارك، ومعظمها إيراني، تجعل من السيطرة على هذا الممر أمراً شبه مؤكد.

لكن الأهم هو ما ينقله: أكثر من 20 مليون برميل نفط يومياً (خُمس الاستهلاك العالمي)، ومعظم الغاز الطبيعي المسال القطري. 85% من هذا النفط يتجه إلى آسيا، ما يعني أن أي إغلاق سيضرب الاقتصاد الصيني والياباني والهندي قبل أي دولة أخرى.

لم تنتظر طهران طويلاً حتى اتخذت القرار، في حزيران 2025، صوّت البرلمان الإيراني على إغلاق المضيق رداً على الضربات الأمريكية لمنشآتها النووية. لكن القفزة النوعية كانت في آذار 2026، عندما أعلنت إيران الإغلاق الفعلي أمام السفن الأمريكية والإسرائيلية فقط، مع فرض رسوم تصل إلى مليوني دولار على سفن أخرى مقابل السماح لها بالعبور.

هنا تكمن براعة الاستراتيجية الإيرانية: إغلاق انتقائي، لا يستفز العالم بأسره، لكنه يكسر الظهر الأمريكي ويرفع أسعار النفط. وبالفعل، بدأت أسعار النفط بالارتفاع وتقلصت الخصومات على الخام الإيراني.

فشل ترامب.. تصريحات متضاربة وأزمة أوروبية

المفارقة أن أقوى دولة في العالم بدت عاجزة أمام مضيق لا يتجاوز عرضه ثلاثة كيلومترات. فشل ترامب في هرمز، وفق تحليل الموقف، لم يكن عسكرياً فقط، بل سياسياً ومعنوياً.

مصادر مقربة من البيت الأبيض تشير إلى أن الرئيس الأمريكي أصبح يشعر أن “حربه كلها فاشلة” في هرمز، فكل يوم يصدر تصريح يتناقض مع الذي قبله. من تهديد بقصف المواقع الإيرانية إلى دعوة للحوار، ومن إرسال حاملات طائرات إلى سحبها، كلها علامات ارتباك.

والأكثر إيلاماً لواشنطن أن أوروبا، حليفتها التقليدية، بدأت ترفع الصوت. دول أوروبية رأت أن واشنطن أوقعتها في أزمة دولية لم تكن طرفاً فيها، فبدأت تضغط على ترامب لتهدئة الموقف، ما جعل صورة الولايات المتحدة دولياً بأنها “دولة تشعل الأزمات ولا تطفئها”.

ماذا يريد الإيرانيون؟

من منظور طهران، مضيق هرمز ليس مجرد موقع جغرافي، بل هو معادلة الردع. فطالما أن إيران غير قادرة على منافسة الأسطول الأمريكي في المياه المفتوحة، فإنها ستحول المعركة إلى مضيق ضيق حيث ميزتها الجغرافية والتكتيكية تتفوق على التفوق التكنولوجي الأمريكي.

وهناك قراءة أخرى: إيران لا تريد إغلاقاً كاملاً دائماً، لأن ذلك سيضر بحلفائها في الصين والهند أيضاً. لذلك، اختارت الإغلاق “الانتقائي” والرسوم الباهظة، ما يحقق أرباحاً مالية ويضغط على واشنطن دون كسر العلاقات مع آسيا.

السيناريوهات المقبلة

الأزمة في هرمز تطرح ثلاثة سيناريوهات:

1. السيناريو الإيراني الناجح: استمرار الإغلاق الانتقائي حتى تجبر واشنطن على تقديم تنازلات، مثل رفع بعض العقوبات أو الاعتراف بالنفوذ الإيراني إقليمياً.

2. السيناريو العسكري: محاولة أمريكية لفتح الممر بقوة، لكن ذلك قد يؤدي إلى حرب إقليمية واسعة، إضافة إلى ارتفاع أسعار النفط لمستويات قياسية تضرب الاقتصاد العالمي.

3. السيناريو الدبلوماسي: وساطة عمانية أو صينية لتفكيك الأزمة، مع تقديم ضمانات لإيران مقابل تخفيف الإغلاق.

لكن حتى الآن، يبدو أن طهران تمتلك أفضل البطاقات. فهرمز، الذي لا يتجاوز عرض ممراته الثلاثة كيلومترات، أثبت أنه أكبر بكثير من حاملات الطائرات الأمريكية. وكما تقول المقولة الإيرانية غير الرسمية: “ربما لا نستطيع إغراق أسطولكم، لكننا نستطيع أن نجعل عبوره مستحيلاً”.

في النهاية، ما يحدث في هرمز ليس مجرد أزمة ملاحة، بل إعادة تعريف لميزان القوة في الخليج. إيران، التي بدت قبل سنوات محاصرة بعقوبات وتهديدات، وجدت في هذا الممر الضيق مفتاحاً لكسر إرادة خصمها الأكبر. وترامب، الذي دخل البيت الأبيض واعدًا بـ “أقصى الضغوط”، يجد نفسه اليوم أمام واقع جديد: أقوى سلاح أمريكي لا يستطيع فتح ممر مائي عرضه ثلاثة كيلومترات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى