اراء

ملحمة التأهل التأريخي

بقلم/ عبد الرحمن رشيد..

ليلةٌ ولا كلُّ ليلة، لم ينمْ فيها أغلب العراقيين، إن لم نقل جميعًا، سهرٌ وترقّب حتى بواكير الصباح، يلفّه خوفٌ مشروع وأملٌ يمسك بخيطه عشّاق العراق من الشمال إلى الجنوب، ومن الفرات وهو يعانق شقيقه دجلة. حتى نوارس الصباح سهرت وفرحت، وهي تغازل النصر العراقي الكبير الذي صنعه الأسود في المكسيك، وزفوا الفرح عبر كل القارات، لتعمّ الأفراح مدن العراق وكلّ القرى، الجبل والهور والنهر والنخيل.

خرجت الجماهير معبّرة عن فرحها الأبدي في كلّ حيٍّ وزقاقٍ ودربونة وشارع، حتى الراحلون عنا فرحوا وهم في الخلد. الراحل النجم أحمد راضي كان حاضرًا بنفوس الأسود في أرض الميدان، وكل لاعبينا، الأموات منهم والأحياء، كانوا بمثابة الدافع المعنوي لتحقيق حلم العراقيين الذي طال انتظاره على مدى أربعين عامًا، ليتواجد العراق للمرة الثانية في تأريخه الكروي في مونديال 2026.

الحلم أصبح حقيقة ملموسة، ولم تذهب دعوات الأمهات سدى، فالله سبحانه وتعالى استجاب دعواتهن، ورسم الفرحة على وجوه الأطفال والشباب والكبار والصغار. رفرف العلم العراقي في مدينة مونتيري، حيث احتشدت الجماهير العراقية من أغلب دول العالم، خاصة من أمريكا لقربها من المكسيك، وقدّر عددهم بـ 25 ألفًا، هتفوا باسم العراق جميعًا.

هناك، في ذلك الملعب، أعاد أبطالنا التأريخ من جديد، وصدق نيسان وإن كذبوا. الأول من نيسان تأريخ لا يمكن لذاكرة العراقيين نسيانه، فهو ربيع الكرة العراقية وصياغة مجدها من جديد بأقدام لاعبينا الذين استحضروا كل معاني الرجولة والانتماء للعراق. فكانت الروح الحماسية والاندفاعية حاضرة في نفوسهم الواثقة لدخول التأريخ الكروي من أوسع أبوابه.

كانت فصول المباراة سجالاً، وتفوّق لاعبونا في أغلب مراحلها، وقدّموا مباراة للتأريخ، رغم كل ما يحيط بالعراق من تحديات كبيرة. إلا أن لاعبينا شمّروا عن سواعدهم وانتزعوا النصر في أحلك الظروف. هذا النصر يعيد إلى الأذهان نصر عام 2007 في جاكرتا، عندما توحّد العراقيون بمختلف أطيافهم وقومياتهم ومذاهبهم. وصدق من قال إن الرياضة بشكل عام، وكرة القدم على وجه الخصوص، توحّد الشعوب، وهي رسالة سلام ومحبة.

اليوم، وفي ظل ما يحدث في المنطقة، كسر أسودنا حالة الحزن وزرعوا البسمة على الشفاه. إنه يوم تأريخي في سجلات العراق، عندما عبَرَ الأسود كلُّ المحيطات وقالوا: نحن أبناءُ العراق.. الأسود تمرض ولا تموت!

ولو عدنا إلى التأريخ القريب في رحلة منتخبنا الوطني في التصفيات المؤهلة إلى نهائيات كأس العالم 2026، نجد أنها تعرّضت إلى مطبّات وحسرات وآهات، ورافقها فقدان الأمل في أكثر من محطّة. لكننا تمسّكنا بالأمل بعد كل تعثّر، وواصلنا الرحلة بقلوب مؤمنة وصادقة بحب العراق، وتجاوزنا الصعاب والمشاكل التي رافقت المسيرة. واليوم أصبح كل ما حدث من الماضي، والتأهّل إلى النهائيات هو الأهم، مع ضرورة أن يستخلص المعنيون الدروس والعبر.

نحن اليوم على أعتاب مرحلة جديدة تتطلّب التركيز والعمل الصحيح، ورسم مستقبل باحترافية عالية لتجهيز منتخبنا الوطني للنهائيات، وألّا نكون مجرد رقم، بل خصمًا عنيدًا تهابه المنتخبات الأخرى. وبإمكاننا أن نكون رقمًا صعبًا، لأنه العراق سليل المجد.

دموع سلام شاكر أوجعتنا، وهي دموع ممزوجة بالفرح، صادقة ونقية. ومعلّقنا العاشق للعراق من جبال الإقليم إلى أهوار العراق، “بيستون” الحبيب، تأثر وأثّر في نفوس العراقيين، وأصبح علامة عراقية مميّزة في التعليق المحبّب بلغته الكردية ولهجته العراقية، خليطًا من المفردات، وكأنه يرسم لوحة لنا عبر الشاشات. بيستون، لك كلّ المحبّة، لأنك صادق، وكلّ كلمة تنطق بها مخلصة بحب العراق والعراقيين.

هنا العراق، صاحب المجد والتأريخ، مهما فعلت به عاديات الزمن، فإنه يظل شامخًا كنخيله، وشاهقًا كجباله. ألف تحية وقبلة على جبين الملاك الفني والطبي والإداري والإعلامي، ولاعبينا الأبطال فردًا فردًا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى