إشكالية المصطلح في الدرس النقدي المعاصر.. النص والخطاب أنموذجاً


أسماء بن عيسى
إشكالية النص والخطاب
يعاني الدرس النقدي كغيره من الحقول المعرفية الأخرى من أزمة المصطلح التي تقف عائقا أمام الباحثين في ميدانه، حيث اخترنا كأنموذج لهذه المسألة مصطلحي “النص” و”الخطاب” اللذين أرّقا الدّارسين سواء من حيث إيجاد تعريفات دقيقة لهما، أم من حيث إقامة الفرق بينهما.
وقد قمنا من خلال هذه المقالة باستعراض بعض التعريفات التي خُصّ بها كلّ من المصطلحين، وفي الوقت نفسه حاولنا تسليط الضوء على الفرق الجوهري الذي يميز بينهما.
ممّا لا شك فيه أنّ أزمة المصطلح التي أرّقت الباحثين وما زالت تؤرّقهم إلى يومنا هذا لا تتوقّف عند ذلك الكمّ الهائل من الترجمات التي تُعطى للكلمة الأجنبية الواحدة على شاكلة مصطلح linguistics الذي حظي بترجمات متعدّدة منها: علم اللغة العام، وعلم اللسان الحديث، واللغويات، واللِسانة، والألسنية، وغيرها، خاصة في ظلّ التباين الكبير بين المشارقة والمغاربة في تعاملهم مع المصطلحات الوافدة إليهم من الضفّة الأخرى.
ولكنّ الأمر يتجاوز ذلك إلى وجود بعض المصطلحات والتي على الرغم من اختلافها عن بعضها سواء من حيث اللغة الأصلية أم اللغة المترجم إليها إلّا أنّها تشكّل عقبة أمام الدارسين، وذلك نتيجة الخلط بينها، و نخصّ بالذكر هاهنا مصطلح النص texte و نظيره الخطاب discours اللّذين يأتيان على رأس الإشكالات النقدية المعاصرة. وعليه نطرح التساؤل التالي: هل النص والخطاب يلتقيان أم يفترقان؟
قبل الخوض في الإجابة عن هذا التساؤل يجدر بنا أوّلا أن نقف عند مفهوم كل من المصطلحين السابقين؛ فالنص في معناه المعجمي يحمل معنى الظهور و الارتفاع، حيث قال ابن منظور: “النَّصُّ: رفْعُك الشيء. نَصَّ الـحديث يَنُصُّه نصّاً: رَفَعَه. وكل ما أُظْهِرَ، فقد نُصَّ. وقال عمرو بن دينار: ما رأَيت رجلاً أَنَصَّ للـحديث من الزُّهْرِي أَي أَرْفَعَ له وأَسْنَدَ. يقال: نَصَّ الـحديث إِلـى فلان أَي رفَعَه، وكذلك نَصَصْتُه إِلـيه. ونَصَّت الظبـيةُ جِيدَها: رَفَعَتْه. وَوُضِعَ علـى الـمِنَصَّةِ أَي علـى غاية الفَضِيحة والشهرة والظهور. والـمِنَصّةُ: ما تُظْهَرُ علـيه العروسُ لتُرَى، ونَصَّ الـمتاعَ نصّاً: جعلَ بعضه علـى بعض”.
أمّا من الناحية الاصطلاحية فقد شهد هذا المصطلح سيلا من التعريفات، والتي على كثرتها قد وسّعت مدارك الباحثين عن مفهوم النص أكثر ممّا شتت تفكيرهم، ولعلّ أشهر تعريف والذي ارتضاه غير باحث هو تعريف “بوجراند” و”دريسلر”، حيث وصفاه بأنّه “حدث تواصلي يلزم لكونه نصا أن تتوافر له سبعة معايير للنصية مجتمعة، ويزول عنه هذا الوصف إذا تخلّف واحد من هذه المعايير، وهي: السبك cohesion [التماسك في المباني النحوية] والحبك coherence [التناسق الدلالي]، والقصد/ القصدية intentionality[ موقف منتج النص]، والقبول/ المقبولية أو الاستحسان Acceptability] موقف المتلقي]، والإعلامية أو الإخبارية informative [ما يحمله النص من معلومات أو إفادة للمتلقي]، والمقامية situtionalite [أن يكون النص مناسبا ومفيدا للمقام]، والتناص/ النصوصية intertexionality علاقة النصوص بنصوص سابقة].
فالتعريف السابق إذن قد ركّز على المعايير التي تجعل من النص نصّا، وهناك تعريفات أخرى يحيل كلّ منها إلى وجهة النظر الخاصة بصاحبه، حيث نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر ما يلي:
ـ ترى “جوليا كريستيفا أن النص هو “جهاز عبر لساني يعيد توزيع نظام اللسان Langue عن طريق ربطه بالكلام Parole راميا بذلك إلى الإخبار المباشر مع مختلف أنماط الملفوظات السابقة والمعاصرة”.
من خلال هذا التعريف نستشف أنّ النص هو عبارة عن إنتاجية Productivité أي أن علاقته باللسان الذي يتموقع داخله هي علاقة إعادة توزيع (هدم من أجل البناء)، ثم إنه عبارة عن ترحال للنصوص وتداخل نصي إذ في فضاء نصي معين تتقاطع وتتلاقى ملفوظات عديدة مقتطعة من نصوص أخرى.
ـ وسعى بول ريكور P.Recourd إلى تثبيت صفة الكتابة وإلصاقها بالنص الذي قال عنه أنّه “خطاب تم تثبيته بواسطة الكتابة”.
أمّا رولان بارت R.Bartes فقد اعتبر النص نسيجا ينتج لنا حجابا جاهزا أو لباسا نلبسه ونختفي فيه ويصبح جزءا من شخصيتنا حيث قال “إنّ الدراسة المعجمية للكلمة تكشف عن أنّها تدلّ على النسج، ومن هنا يمكن أن نقول إنّ نسج الكلمات يعني تركيب نص (…) إنّه نسيج من الكلمات ومجموعة نغمية و جسم لغوي”.
وفيما يتعلّق بالخطاب فقد جاء في اللسان: “الخطاب والمخاطبة مراجعة الكلام وقد خاطبه بالكلام مخاطبةً وخطاباً، وهما يتخاطبان، و فصل الخطاب: أن يفصل بين الحق و الباطل و يميّز بين الحكم و ضدّه”.
أمّا اصطلاحا فقد تعددت التعريفات الخاصة بهذا المصطلح أيضا شأنه في ذلك شأن النص، غير أنّ تعدّدها لا ينمّ عن الاختلاف الحاصل بينها بقدر ما ينمّ عن المحاولات الجادة التي تصبو إلى الإفصاح عن ماهية الخطاب الذي يعدّ مفهوما لسانيا في غاية الأهمية. حيث نذكر من التعريفات على سبيل المثال لا الحصر ما يلي:
ـ عرّفه بنفنست E.benveniste بأنّه “كلّ تلفظ يفترض متحدّثا ومستمعا، تكون للطرف الأوّل نية التأثير في الطرف الثاني بشكل من الأشكال”.
ـ وقيل الخطاب: “في كلّ اتجاهات فهمه، هو اللغة في حالة فعل، ومن حيث هي ممارسة تقتضي فاعلا وتؤدي من الوظائف ما يقترن بتأكيد أدوار اجتماعية معرفية بعينها”.
فالتعريف الأوّل قد ركّز فيه بنفنست على طرفي الخطاب أي الباحث والمتلقي وكذا الهدف من الخطاب ألا وهو التأثير، أمّا التعريف الثاني فيركز على الممارسة التي يقتضيها الخطاب بحيث هو اللغة في حالة فعل، أو بتعبير آخر فإنّ الخطاب هو الممارسة الفعلية للغة.عوداً على بدءٍ، للتساؤل الذي طرحناه سابقا حول طبيعة العلاقة بين النص والخطاب، فإنّا نقول أن المصطلحين السابقين يلتقيان ويفترقان في الوقت نفسه، وذلك لأنّ النص هو متوالية من الملفوظات التي تتميّز بالانسجام والتجانس مشكّلة وحدة لغوية تتجاوز الجملة، سواء أكانت هذه الملفوظات مكتوبة أم شفاهية أم مرئية أم مسموعة، والخطاب يحيل إلى المرجع نفسه الذي يحيل إليه النص. ولكن ثمة فرقا جوهريا بينهما ألا وهو السياقات الخارجية، فالنص نص بما يملكه من قوالب شكلية (صوتية وصرفية ونحوية)، بعيدا عمّا يكتنفه من ظروف أو ما يتضمنه من مقاصد، فهو لا يتغير بتغير الظروف والملابسات، وبذلك يمثل شكلا نهائيا. أمّا الخطاب فله صلة وثيقة بالسياقات في تأويله وملابساته.
ونستحضر هاهنا خطاطة فيما يتّصل بالخطاب وعلاقته بالسياقات، حيث تتكون هذه الخطاطة من العناصر التالية:
ملفوظ (ENONCE) + حيثيات التخاطب = خطاب.
استعمال اصطلاحي تخصيص
معنى دلالة
إنّ ما ذهب إليه Maigneau يفيد بأن الخطاب هو ما تكون من ملفوظ (فعل كلامي) حيث يصطبغ هذا الملفوظ بحيثيات التخاطب التي يُقصد بها السياقات الخارجية، فهذه الأخيرة هي التي تحول لنا الملفوظ من نص يحمل إلى معنى إلى خطاب مؤدلج يحمل رسالة أو ايديولوجية معينة، حيث يصل المتلقي النموذجي إلى دلالته عبر جسر التأويل.ومن هنا يمكن القول أنّ الفرق الجوهري بين النص والخطاب يرتبط أساسا بالسياق؛ فالنص يحيا بمعزل عن السياقات الخارجية، وعلى العكس منه الخطاب فإنّه يتنفّس بها. فضلا عن أنّ النص يحمل معنى في حين الخطاب يحمل دلالة كنتيجة طبيعية لارتباطه بحيثيات التخاطب.



