أوروبا تنأى بنفسها وتصطف إلى جانب مبادرة صينية

بقلم: هدى رزق..
انضمت الصين إلى باكستان في مبادرة وساطة تهدف إلى فتح “نافذة حوار” بين طهران وواشنطن، فهي طالما كانت الدرع الواقي لمنع صدور قرارات دولية تدين إيران في مجلس الأمن. و”الشريك الاستراتيجي” لها حيث تتقاطع مصالحه معها في منع انهيار الاقتصاد العالمي.
لم يسفر اجتماع باكستان أواخر شهر آذار عن انفراجة ملموسة، إيران اعتبرت شروط ترامب “مرفوضة” تحت الضغط العسكري، أما الدول الأربع المجتمعة، السعودية ومصر وتركيا وباكستان، فعملت كل واحدة منها على ضمان مصالحها دون النظر إلى المصلحة العامة، وأبدت إيران تحفظاً على استضافة إسلام آباد للمفاوضات المباشرة بينها وبين أميركا.
كانت بكين قد رفضت طلباً صريحاً من ترامب لإرسال سفن حربية لتأمين مضيق هرمز ضمن تحالف دولي، معتبرة أن الأزمة “صناعة أميركية” ناتجة عن التصعيد مع إيران. لكنها تواصل اتصالاتها مع “الأطراف المعنيين” بالتحديد مع إيران لخفض التصعيد، معتمدة على علاقاتها الاقتصادية القوية مع طهران كأداة ضغط لا تملكها واشنطن.
نجحت في تصوير نفسها كـ”وسيط سلام” محايد مستشهدة بنجاحها السابق في الوساطة بين السعودية وإيران. إلا أنها تنظر إلى تحركات ترامب بريبة، وترى أن انخراط ترامب في صراعات الشرق الأوسط “يُغرق” الولايات المتحدة في استنزاف عسكري جديد، وأن سياسات “أميركا أولاً” والتعرفات الجمركية التي يفرضها ترامب تضرب نمو الاقتصاد العالمي وتزعزع استقرار سلاسل التوريد.
ورغم ادعاء ترامب أن مضيق هرمز لا يؤثر على أميركا لكونها مصدراً للطاقة، ترى الصين في الحرب على إيران “مقامرة خطيرة”؛ فارتفاع أسعار النفط عالمياً ليتجاوز 115 دولاراً يضر بكافة القوى الاقتصادية، بما فيها أميركا عبر التضخم الداخلي.
مضيق هرمز.. نقطة الضعف والضغط
لا شك بأن الصين هي الأكثر عُرضة للخطر تقنياً، حيث يمر حوالي 40% من وارداتها النفطية عبر المضيق. إلا أنها ركزت على إظهار “كفاءة مواردها الذاتية” وزيادة إنتاجها المحلي والاعتماد على المخزونات الاستراتيجية لتحدي ضغوط ترامب، بحسب بيانات الإحصاء الوطني الصيني.
ينظر بعض التحليلات الغربية إلى الصين كلاعب “انتهازي، إذ تراقب تراجع النفوذ الأميركي عالمياً، معتبرة أن سياساته تسرع من التحول نحو نظام عالمي متعدد الأقطاب تكون هي مركزه الاقتصادي.
تلعب دوراً كونها المشتري الأكبر للنفط الإيراني، حيث يمر حوالى 80% من صادرات إيران النفطية عبر مضيق هرمز باتجاه الصين. وأي صِدام يؤدي إلى إغلاق المضيق بشكل دائم يعني “انتحاراً اقتصادياً” لطهران قبل أن يكون ضرراً لبكين.
ما هي حدود التأثير الصيني على إيران
بكين هي القوة الكبرى الوحيدة التي ترفض علناً أي توجه أميركي لتغيير النظام وتدعم “سيادة إيران”. بينما تضغط لفتح المضيق أمام الملاحة الدولية لتأمين احتياجاتها من غاز قطر (الذي يمثل 30% من وارداتها)، تظل إيران حذرة من تقديم تنازلات مجانية لترامب قد تُفسر على أنها ضعف.
يعتبر المضيق المنفذ الوحيد لمعظم دول الخليج، لذلك، الإغلاق “بوجه الأعداء” يخلق اختناقاً للجميع. توقفت صادرات الغاز المسال القطرية مؤخراً بعد تعرض منشآت في “رأس لفان” لهجمات، ما أثر على إمدادات الطاقة لباكستان وبنغلادش والهند. تعتمد الكويت والبحرين والعراق بشكل شبه كلي على المضيق لتصدير نفطها واستيراد 70% من احتياجاتها الغذائية. حيث تسبب الإغلاق الجزئي في “أزمة أمن غذائي” وارتفاع أسعار السلع الأساسية.
استراتيجية ترامب “التفاوض تحت النار“
ترامب لا يتبع الدبلوماسية التقليدية؛ هو يعتمد استراتيجية “الضغط الأقصى العسكري“.
وهو هدد بهدم البنية التحتية، لا لاحتلال إيران، بل لإيصال النظام إلى نقطة “الانهيار الاقتصادي الشامل” ليجبره على الجلوس إلى طاولة المفاوضات بشروطه الـ 12 القديمة/الجديدة. إلا أن إيران ترد بـ “الصمود الاستراتيجي”، مدركة أن ترامب مقيد داخلياً بوعوده الانتخابية بعدم الدخول في “حروب أبدية“.
يبدو أن ترامب بدأ يدرك أن “تغيير النظام” في إيران بعيد المنال ومكلف، لكنه يريد أن يثبت لبكين أن أميركا لا تزال “شرطي المرور” في أهم ممر مائي بالعالم، حتى لو لم تكن بحاجة إلى نفطه.
هدف إيران هو إجبار ترامب على التراجع أو القبول بتسوية “الند للند”. نجاحها في إبقاء مضيق هرمز تحت التهديد رغم القصف الأميركي يعتبر في حد ذاته “انتصاراً معنوياً” يكسر صورة التفوق المطلق لأميركا.
الأوروبيون والنأي بالنفس بعد خطاب ترامب
يُظهر المشهد الجيوسياسي الحالي اتساعًا في الفجوة بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين التقليديين بشأن الحرب مع إيران.
اتخذ الرئيس الفرنسي ماكرون موقفا حازماً، مصرحاً بأن فرنسا لن تنجر إلى الصراع. رفضت المشاركة في العمليات العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة لفتح مضيق هرمز، مع إعطاء الأولوية لخفض التصعيد. وكانت فرنسا قد منعت طائرات الإمداد العسكرية الأميركية المتجهة إلى “إسرائيل” من استخدام المجال الجوي الفرنسي.
في حين رفض ماكرون التحالف الأميركي، اقترح أن فرنسا قد تشارك في مهام مرافقة منفصلة للسفن التجارية فقط بمجرد أن “يهدأ” الوضع.
نهج ترامب تجاه حلف الناتو يأتي بنتائج عكسية خلال هذه الأزمة. فبرفضها الانضمام إلى “تحالف الراغبين”، تُشير أوروبا فعلياً إلى أنها لم تعد تنظر إلى التدخلات العسكرية الأميركية على أنها تخدم الأمن الأوروبي تلقائياً، بل اختارت بدلاً من ذلك الاعتماد على النفوذ الدبلوماسي الصيني والقمم الأوروبية المستقلة لحماية التجارة العالمية.



