مطلب الدولة المدنية
ماجد الشويلي
لا بأس أن يكون لكل مواطن ذائقته وميوله الخاص نحو شكل معين من اشكال انظمة الحكم السياسي التي تحدد هوية الدولة وطبيعتها السياسية ، لكن من الضرورة بمكان ان يكون ملما ولو بالمقدار الذي يمكنه من معرفة تصنيف دولته وشكل النظام الذي يعيشه . ولا يذهب بعيدا بتمنياته ورغباته العاطفية والانفعالية الى الحد الذي يجعله يطالب بشيء هو حاصل عليه وبين يديه. في وقت اعد عدته ووطن نفسه للتضحية بغية الحصول على مطلبه هذا. وقد تصل به المفارقة لاستعداء من لم يصل الى سدة الحكم في ظل هذا النظام السياسي إلا بمعونته وتدبيره. ولم تتجل هذه المفارقة بوضوح أكثر مما تجلت به عند من يطالب بدولة مدنية في ظل ما يعيش به من نظام سياسي حالي قائم على أساس فلسفة الحكم الديمقراطي التعددي بآليات وأطر هي ذاتها التي يصدق عليها عناصر ومقومات الدولة المدنية. ولأجل الحصول على تشخيص موضوعي يمنحنا الحكم وفق المعطيات المحسوسة والملموسة والنصوص المعتبرة في طيات الدستور والقوانين الاساسية للبلاد لابد لنا ان نجري استقراء لأهم اركان التشريع والتطبيقات المدنية في بلادنا بغية الحصول على تلك الاجابة . لكن قبل ذلك كله لنعمد الى معرفة ما هو المقصود من الدولة المدنية ؟ والحقيقة ان الدولة المدنية هي تلك الدولة التي لا تفرض الدين ولا ترفضه !! وتتعاطى مع المواطن على اساس مواطنته وفقا للقانون وليس على اساس دينه أو قوميته ومعتقده ؛ وتعتمد مبدأ المساواة في الحقوق والواجبات بين افراد المجتمع كافة ولا تسمح بانتهاك حقوق الافراد . ولكل مواطن حق اجراء التعاقدات الخاصة بالعمل وغيره وضمان الحفاظ عليها ورعايتها قانونيا. وان من أهم واجباتها هو حماية مواطنيها وتوفير الامن اللازم لهم … والآن بعد ان بينا ما ينبغي على الدولة الالتزام به تجاه مواطنيها كي تستحق وصفها بالدولة المدنية ؛ لابد ان نعرج نحو استقراء التطبيقات العملية بهدف جلاء الصورة بوضوح أكثر قبل اصدار الحكم كما اسلفنا. فهل يا ترى ان النظام السياسي الحالي في العراق نص على قوانين وتشريعات حددت الملكية مثلا بصنف معين من القومية والديانة ؟! ام انها سمحت بالسفر لأفراد محددين ؟! أو مثلا اقرت التعليم لطبقة معينة فحسب ؟! هل منعت من بناء دور العبادة للمسلمين أو المسيحيين والايزيديين والصابئة أو انحازت لطائفة دون اخرى ؟! ألم تعط للسجناء المتهمين بالإرهاب بل المحكوم عليهم بالإعدام من الحقوق ووسائل الراحة ما لم تعطه اميركا وأوربا لسجنائها ومعتقل غوانتنامو ليس بعيدا عن الذاكرة. ألم نلحظ ان الدولة اعتبرت ان توجيهات المرجعية ليست ملزمة لها كما انها لم ترفضها بالشكل المطلق. وهذه الصورة من ابرز تطبيقات حيثيات الدولة المدنية. فلا رفض ولا فرض للدين ، لان فلسفة الدولة قائمة على اساس توظيف العامل الديني لتعزيز قيم الخير والمحبة في المجتمع. كما ان من التطبيقات الواضحة بخصوص حماية التوجه الديني وحرية المعتقد هو الانتشار المضطرد للملاهي والمراقص وحانات الخمر في بغداد . وما يوازيه من انتشار بناء المساجد ودور العبادة ، هل منع احد من تشكيل الاحزاب أو الانخراط بها أو منظمات المجتمع الدولي. فلا يوجد قضاء يميز بين مواطن وآخر على اساس دينه او قوميته.. فالأدلة كثيرة وكبيرة على ان ما يعتمد من شكل للدولة هنا هو الشكل المدني. ان الحديث ينبغي ان يوجه بشكل اخر وهو الحديث عن مستوى تطبيق المعايير الحقيقية للدولة المدنية وهذه المعايير تتباين بين دولة ودولة وبين مجتمع ومجتمع اخر كما تباينت تطبيقات الديمقراطية مع الاخذ بنظر الاعتبار حداثة التجربة عندنا والتحديات التي تواجهها. ففي العراق لا يمكن المطالبة بتوفير الامن الكامل في ظل ما يتعرض له من هجمة ارهابية شعواء كي يستحق عنوان الدولة المدنية !! أو نطالب بالاستقرار السياسي في ظل اصرار المكونات نفسها على التمثيل المكوناتي عبر ممثليها البرلمانيين والسياسيين في مخالفة صريحة للدستور الذي اقرته بنفسها. اذا قبل المطالبة بدولة مدنية لابد الالتفات الى اننا نعيش في ظل تجربة اطرها ومحدداتها لدولة المدنية . لكنها عليلة وسقيمة لعدة اسباب اهمها لأنها جاءت مستوردة ارتطمت بجدار تراكم قيم وأعراف الامة التي تربت عليها بل لعل الارجح هو الاعتراض على اساس اختيار الدولة المدنية دون غيرها في العراق !! فقد ظهرت بالمظهر العاجز عن تلبية ما يستحقه الشعب من الخدمة والإنماء وحل المعضلات السياسية وغيرها. اما من ينفي التهمة من الاسلاميين عن كون هذه التجربة هي تجربة دولة اسلامية . فقد باتوا يتحملون تبعات الخيار المدني ولعنات التنصل عن مبدأ حاكمية الاسلام . فهم والدولة المدنية كما يقول المثل العراقي ((ملطخ بدم المچاتيل)).



