اراء

سقوط النظام في سوريا وحساب الربح والخسارة الأولي

 جمال واكيم..

ثلاثة أسابيع مرت على الزلزال الذي ضرب سوريا والذي تمثل بانهيار النظام فيها على يد ما تُعرف بـ”هيأة تحرير الشام” (جبهة النصرة المصنفة دوليًا منظمة إرهابية) المدعومة من تركيا بالتنسيق مع “الموساد” “الإسرائيلي” والاستخبارات الأميركية والبريطانية والفرنسية. هذا الزلزال أدى الى سقوط إحدى الدعامات الرئيسة لمحور المقاومة، ما جعل سوريا تفقد دورها الإقليمي الريادي في المنطقة ليعتبر محور المقاومة المتضرر، بينما اعتُبرت روسيا الخاسر من فقدان حليف رئيس في شرق المتوسط.

لكن المراقب للأحداث عليه التريث في تحديد مدى خسارة المحور وقدرته على تعويض هذه الخسارة. فالمعروف أن نظام الرئيس بشار الأسد كان قد بدأ يأخذ مسافة مع كل من إيران وحزب الله منذ عدة سنوات لصالح التقارب مع الإمارات و السعودية. وانعكس ذلك تقييدًا لحركة شباب المقاومة في سوريا ورفضًا لتفعيل جبهة الجولان في مواجهة “إسرائيل” خلال عملية “طوفان الأقصى”، عدا عن مطالبة دمشق بإغلاق مكاتب أنصار الله (الحوثيين) إرضاء لأبو ظبي والرياض. على الرغم من ذلك فإنه يجب الاعتراف للرئيس بشار الأسد بأنه واصل مد المقاومة بالصواريخ المتوسطة والبعيدة المدى لمواصلة استهداف العمق الصهيوني.

في المقابل تبدو “إسرائيل” هي الرابح الأبرز مما جرى في سوريا لجهة ضربها الدور الإقليمي للدولة، خصوصًا في منطقة المشرق التي تريدها “تل أبيب” مجالاً لنفوذها. كذلك فإن الولايات المتحدة تعتبر رابحًا فيما جرى إذ إنها أزاحت من دربها قوة وقفت في مواجهة مشاريعها على مدى العقود الخمسة الماضية، كما أنها أطاحت بحليف موثوق لإيران في المنطقة، شكل أبرز حلفائها على مدى العقود الخمسة الماضية، عدا عن إطاحتها بأقرب حليف لروسيا في المنطقة العربية على مدى العقود الخمسة الماضية.

في هذا الإطار تبرز تركيا كواحد من بين الرابحين مما جرى. فبعد 13 عامًا على دعمها الجماعات المسلحة يبدو أنها تمكنت أخيرًا من خداع طهران وموسكو وإسقاط نظام الأسد واستبداله بنظام متأسلم يتماهى مع الإخوان المسلمين الحاكمين في أنقرة تحت مظلة الخليفة العثماني الجديد رجب طيب أردوغان. لكن قد يتبين للرئيس التركي المنتشي بانتصاره بأن جائزته ستكون ملغمة بما قد يفجر سوريا ومعها تركيا. فأول ألغام هذه الجائزة هو الفتنة السنية العلوية التي ما لبثت أن اندلعت عقب سقوط نظام الأسد والتي تمثلت بحملة التنكيل التي تقوم بها الجماعات المسلحة التي سيطرت على الحكم في دمشق بحق العلويين في منطقة الساحل السوري. ومن شأن هذه الفتنة أن تمتد إلى تركيا، حيث يوجد 15 مليون علوي متمركزين في منطقة كيليكيا وشرق جبال طوروس وأرضروم.

هذا اللغم يضاف إلى لغم أخطر منه يتمثل في الأكراد السوريين الذين يسيطرون على منطقة شرق الفرات بدعم من الولايات المتحدة الأميركية. وتجدر الإشارة إلى أن المعارك تدور حاليًا بين الجماعات الكردية المنضوية تحت لواء قوات سوريا الديمقراطية “قسد” في مناطق منبج وشرق حلب والحسكة، وبين الجماعات المسلحة بمشاركة تركية. ويمكن لهذه المعارك أن تمتد إلى جبال قنديل في العراق حيث تقوم القوات التركية بشن ضربات ضد قوات حزب “العمال الكردستاني”، كما يمكن لها أن تمتد إلى داخل تركيا، خصوصًا أن أكراد سوريا جميعهم ممن تهجروا على مدى القرن الفائت من تركيا، علمًا أنه يوجد في تركيا نحو عشرين مليون كردي يتمركزون في شرق البلاد.

من هنا فإن ما قام به أردوغان بزعزعة الاستقرار في سوريا وإسقاط النظام فيها فتح المجال أمام الحديث عن تقسيمها، وهو ما يمكن أن يرتد على تركيا نفسها التي قد تجد نفسها ضحية ما جنته على جارتها الجنوبية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى