قدرة ردع المحور وطريقة إدارة الحرب

بقلم: عمرو علان..
يزداد عدد المقتنعين بأن هذه الحرب ستكون قاسيةً، وأن فرص التوصل إلى وقفٍ لإطلاق النار ضئيلةٌ للغاية، وأن العدو ماضٍ في هذه الحرب بهدف تغيير الوضع الاستراتيجي في منطقة المشرق العربي، أو بصيغةٍ أخرى إعادة إدخال المنطقة في العصر الإسرائيلي وهدم كل إنجازات قوى التحرر العربي والإسلامي التي تراكمت وتعاظمت منذ بزوغ فجر القرن الحادي والعشرين مع تحرير جنوبيّ لبنان، وهذا يُبنى عليه عدة أمور تتعلق بأهداف الحرب على لبنان وقدرة ردع المحور التي يتحدث عنها كثيرون وطريقة إدارة المقاومة لمعاركها.
أهداف الحرب على لبنان
يزعم كيان الاحتلال أن هدف الحرب على لبنان هو إعادة المستوطنين إلى مستوطنات شمال فلسطين المحتلة، وإبعاد ما يسميه خطر حزب الله عن الحدود الشمالية لفلسطين المحتلة، لكن التدقيق في ما واظب نتنياهو على التصريح به منذ بداية طوفان الأقصى، والذي انتبه له البعض متأخراً، بأنه يسعى إلى “تغيير وجه الشرق الأوسط”، وتدعمه في هذا التوجّه حكومة العدو، على عكس بعض التقديرات، ما زالت قويةً وتحظى بدعم الشرائح الأوسع بين المستوطنين، أو “الشعب الإسرائيلي”، بحسب مصطلحات العدو، إذ إن هذه التوليفة الحكومية جاءت انعكاساً لتغير في التوازنات التي كانت تحكم سكان الكيان المؤقت، وصعود الجناح الديني الأكثر اندفاعاً.
إن هدف “تغيير وجه الشرق الأوسط”، الذي يطمح له العدوان الصهيوأمريكي، يعني بالضرورة إنهاء الوجود الفلسطيني المتبقي على أرضه في الضفَّة وغزة وحتى القدس والأراضي المحتلة 1948، وهدم المسجد الأقصى وإقامة هيكلهم المزعوم عليه، وهذا أيضاً تُصرِّح به قيادات العدو.
إذاً، الهدفان المعلنان للحرب على لبنان؛ إعادة المستوطنين إلى شمال فلسطين المحتلة، و”إبعاد خطر حزب الله” عن الحدود، يتضمنان بالضرورة تفريغ الجنوب من سكانه، إذ كيف يمكن “إبعاد خطر حزب الله” من دون تفريغ الجنوب من أهله، وهم حاضنة وبيئة المقاومة الإسلامية في لبنان وخزّانها البشري؟
قدرة ردع المحور
لقد تمكّن العدو الصهيوأمريكي خلال هذه الحرب القاسية من النّيل غيلةً من قياداتٍ عدّة في المقاومتين الإسلاميتين الفلسطينية واللبنانية. وقد دفعت هذه الاغتيالات المتكرّرة الكثيرين إلى القول إنه لو كان هناك ردٌّ أقوى من قبل المحور بعد أول اغتيالٍ، لَمَا كان العدو قد تجرّأ على الاستمرار بسياسة استهداف القيادات.
وبناء عليه، إذا ما تبنّينا الرؤية آنفة الذكر حول أهداف العدو الصهيوأمريكي الحقيقية من هذه الحرب بكل أبعادها، وبأن العدو ماضٍ بالفعل في حربٍ يراها حرب وجودٍ بحسب وصْفِه لها، يصبح السؤال: هل كانت بالفعل طبيعة الردود وقوتها على الاغتيالات ستُبدِّل من تكتيكات العدو الحربية؟ وهل كانت لتثنيه عن الاستمرار في حربه؟
لعل بعض التقديرات الخاطئة لأهداف هذه الحرب ومدياتها أدّت إلى استخدام مصطلحاتٍ لا تتناسب مع طبيعتها، ولا تتماشى مع حقيقة واقع المعارك الدائرة منذ 7 تشرين الأول 2023، إذ إن هذه الحرب تختلف عن سابقاتها بكونها حرب كسر عظمٍ، سيكون في نهايتها رابحٌ وخاسرٌ بصورةٍ جليةٍ لا تحتمل التأويل، فهي من الحروب التي لا تقبل القسمة على اثنين. لذلك، لا يصح فيها الحديث عن “قواعد اشتباكٍ” بالمعنى ذاته الذي كان سارياً قَبْل اندلاع المعارك، ولا مكان لمفهوم “استعادة قدرة الردع” فيما يجري حالياً، فالحرب الراهنة نشبت في الأساس بسبب اختلالٍ طرأ على “موازين القوى”.
إنه لَمِن المفارقة أن شح الأهداف العسكرية لدى العدو دفع جيشه النظامي، والأكثر تسليحاً في المشرق العربي، إلى التركيز على الأهداف التي تلجأُ عادةً المجموعات الصغيرة وضعيفة التسليح إلى استهدافها، فضرب المدنيين لا ينِمُّ عن نزعةٍ إجرامية لدى العدو فحسب، بل إنه يشير أيضاً إلى فقرٍ في بنك أهدافه العسكرية، إذ إن المنطق العسكري الذي أجمعت عليه جيوش العالم قاطبةً يقضي بتوجيه جيش الاحتلال ما يملكه من قدرات نارية وتدميرية هائلة نحو تحييد قدرات خصمه العسكرية الصاروخية والنارية، وتجريده منها بدايةً، ما يفتح الطريق أمامه للقيام باجتياحٍ بريٍ أو فرض شروط الاستسلام على خصومه.
خاتمة
لا جدال في كون الحرب الراهنة حرباً ضروساً، والأرجح أنها ستطول ربما لسنين، لكن لا بد من أن المقاومة أعدّت العدّة ليومٍ كهذا، ولا ينبغي التقليل من الضربات التكتيكية القوية التي تمكّن العدو من توجيهها إليها، سواء أكانت مجزرة “البيجر” أم الاغتيالات التي طالت قيادات من الصف الأول، وعلى رأسهم الشهيد الحسيني، حجة الإسلام وقائد المقاومة، سماحة السيد حسن عبد الكريم نصر الله.
لكن في الوقت ذاته، لا ينبغي التضخيم من إنجازات العدو التكتيكية تلك، فالواضح أن قدرة المقاومة العسكرية وترسانتها لا تزال متماسكةً وحاضرةً، ولم تُصَبْ بأذى يذكر، وهذا ما يحسم المعارك، لا التدمير الكبير من الجو. ومع ورود الأخبار عن بداية العدوان الصهيوني البري على جنوبيّ لبنان، يمكن القول إن المعركة الفعلية بدأت الآن فقط، فلننتظر ونرَ ما أعدّ رجال الله في الميدان كي يجعلوا حال جيش الاحتلال أسوأ من حاله في حرب تموز 2006 بقوة الله وحوله.



