دماء الفلسطينيين واللبنانيين والروس تفتح أبواب العالم الجديد

بقلم: رامي الشاعر..
بحث الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، منتصف الأسبوع الماضي، المعالم الرئيسة لوثيقة “العقيدة النووية” المحدثة، في اجتماع مع أعضاء اللجنة الدائمة للردع النووي بمجلس الأمن الروسي.
وقد حددت التعديلات الجديدة للعقيدة النووية الروسية حالات واضحة يصبح من حق الدولة الروسية حينها استخدام الأسلحة النووية، ومن بينها العدوان على روسيا من قبل أي دولة غير نووية، ولكن بمشاركة أو دعم دولة نووية، وهو ما ستعتبره روسيا بمثابة هجوم مشترك على أراضيها، وفي حالة الهجمات الجوية بأسلحة هجومية عند عبورها حدود الأراضي الروسية، بما في ذلك باستخدام الطائرات الاستراتيجية أو التكتيكية وصواريخ كروز والطائرات المسيرة والأسلحة فرط الصوتية وغيرها من الأجسام الطائرة، وكذلك في حالة العدوان على أراضي بيلاروس، التي تربطها وروسيا “دولة الاتحاد”.
وأكد الرئيس الروسي على أن مسودة العقيدة النووية المحدثة تعمل على توسيع فئة الدول والتحالفات العسكرية التي يتم تطبيق مظلة الردع النووي عليها، حيث تابع “نحن نحتفظ بالحق في استخدام الأسلحة النووية في حالة العدوان على روسيا وبيلاروس كعضو في دولة الاتحاد، بما في ذلك عند استخدام العدو للأسلحة التقليدية وتشكيله تهديداً خطيراً لسيادتنا”.
وشدد بوتين على أن روسيا تتبع نهجا مسؤولا تجاه قضية الأسلحة النووية، وتسعى إلى منع انتشارها حول العالم، مؤكداً على أن الثالوث النووي الروسي يظل أهم ضمان لأمن الدولة الروسية وسلامة مواطنيها، وأداة فعالة للحفاظ على التكافؤ الاستراتيجي وتوازن القوى في العالم.
على الجانب الآخر، تقدم الرئيس الأوكراني المنتهية ولايته فلاديمير زيلينسكي لرعاته في واشنطن بما أسماه “خطة النصر”، والتي كانت بمثابة قبعة تسول الصدقات والمنح من الغرب، حيث يتوهم الممثل الكوميدي الذي ضل طريقه إلى السلطة في أوكرانيا أنه من الممكن “إجبار روسيا على الجلوس إلى طاولة المفاوضات العام المقبل” من خلال “تسريع إدارة بايدن شحنات الأسلحة وإعطاء الضوء الأخضر لضربات صاروخية ضد عمق الأراضي الروسية”.
إن “خطة النصر” المزعومة من قبل زيلينسكي هي نسخة معدلة من “خطة السلام” لزيلينسكي، والتي تحمل أوهاماً وأسئلةً أكثر من الوقائع والأجوبة على أرض المعركة، حيث ينتقد الخبراء العسكريون والمحللون السياسيون مغامرة كورسك غير المحسوبة من قبل زيلينسكي، والتي أقال من أجلها رئيس أركانه زالوجني، الذي تجرأ وطرح سؤالاً منطقياً: “ماذا سيحدث في اليوم التالي؟”، وهو السؤال الذي يتعين على زيلينسكي وأعوانه الآن في كييف الإجابة عنه أمام الشعب الأوكراني الذي يدفع فواتير هذه المغامرات الرعناء والطائشة.
أما عن الاتحاد الأوروبي، الذي يهذي بما يسميه “إشارات قوية” لبوتين، استنادا لتعبير وزير الدفاع الألماني أمام مجلس النواب في فيلنيوس عاصمة ليتوانيا، حيث قال إن “أمن ليتوانيا هو أمن ألمانيا” احتفاء بنقل لواء ألماني إلى ليتوانيا، فيصرح هذا الاتحاد بعدم قبوله تهديدا من روسيا، لكنهم في الاتحاد الأوروبي وفي “الناتو” بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية يستقبلون زيلينسكي، ويعلنونها بالفم الملآن أنهم يريدون “هزيمة روسيا استراتيجيا في أرض المعركة”، بل إن مناقشة “خطة النصر” لزيلينسكي في حد ذاتها ليست سوى إعلان حرب على روسيا، في الوقت الذي يندهشون فيه من تعديل روسيا لعقيدتها النووية، لحماية سيادتها ووحدة أراضيها وسلامة مواطنيها.
بنفس الكيفية، تمرح إسرائيل وترتكب جرائم الإبادة الجماعية والتطهير العرقي في فلسطين ولبنان والعالم يشهد على ذلك دون أن يعبر حتى عن “قلقه العميق والبالغ”، أو حتى يشجب تصرفات الدولة المحتلة في عرف القانون الدولي وباعتراف الأمم المتحدة. وما باليد حيلة فجميع الدول العربية والشرق أوسطية استقبلت رسائل واضحة، من خلال قنوات مختلفة، تهددها باستخدام إسرائيل للسلاح النووي حال تعرضها للخطر، ويقف وراء ذلك بالطبع البيت الأبيض، الذي يستخدم ذراعين أحدهما في أوروبا (أوكرانيا)، والآخر في الشرق الأوسط (إسرائيل) لتنفيذ مخططاته الخبيثة الهادفة للإبقاء على الهيمنة الأمريكية والغربية على مقدرات الدول والشعوب.
إلا أن ما يزيد من هستيريا الغرب اليوم هو إدراكه، استنادا للمعارك الضارية التي تجري على الأرض، لاستحالة إضعاف روسيا بهزيمتها عسكرياً، لهذا يلجأون إلى إغلاق كافة المنافذ الإعلامية، وتهديد كل من تسول له نفسه التعامل معها، ومحاولة حصار كل من يتعامل معها.
ولا شك أن ما صرح به الرئيس الأمريكي السابق والمرشح الجمهوري الحالي دونالد ترامب بقدرته على “إنهاء الأزمة الأوكرانية” أو “الحرب في غزة ولبنان” ليس سوى اعتراف واضح أن الولايات المتحدة هي التي تقف وراء تلك الأزمات وتتحكم في مسارها. وهل ننسى أن ترامب كان الرئيس الأمريكي الذي أعلن ضم القدس إلى إسرائيل ونقل السفارة وأعلن الجولان أراضيَ إسرائيلية وأعطى بذلك الضوء الأخضر للقيادة الصهيونية الفاشية للبدء بتصفية الشعب الفلسطيني عن بكرة أبيه.
إن الفرق بين بايدن وترامب بسيط، فالأول يداه ملطختان بدماء الشعب الأوكراني والفلسطيني واللبناني، بينما خطط الأخير، بخبث ودهاء، لكل ما سبق ذلك من أحداث أدت لكل هذه المآسي والكوارث الإنسانية المفجعة، والآن يستخدم ترامب الدماء التي تلطخ يدي بايدن في تشويه سمعة إدارته، في حين أن الإدارتين مذنبتان بنفس القدر، وعلى نفس الدرجة من الإجرام والغطرسة الأمريكية.
لقد أصبح واضحاً للعيان الآن أن الحل الوحيد للخروج من هذ المأزق العالمي هو تحول العالم إلى التعددية القطبية، لا سيما بعد أن اتضح لكل دول العالم، وخاصة الجنوب العالمي الذي ذاق مآسي الحروب الأهلية والصراعات والانقلابات، فشل السياسات الأمريكية في أوروبا والشرق الأوسط وفيتنام وأفغانستان والعراق وسوريا وليبيا واليمن وجميع أنحاء العالم. ولن ينقذ الولايات المتحدة لا ترامب ولا هاريس ولا الحزب الجمهوري أو الديمقراطي. إنما سينقذنا جميعاً عالم متعدد الأقطاب، ونظام عالمي جديد يحقق العدالة والمساواة لجميع الدول ذات السيادة.



