اراء

أوروبا والطريق إلى العدمية والقلق الوجودي

بقلم: مازن النجار..

بعد ثمانية عقود من نهاية الحرب العالمية الثانية بكل أهوالها وتداعياتها، وتوازن الرعب النووي وسباق التسلّح، وانضواء القارة العجوز تحت النفوذ الأمريكي في ظل ثنائية قطبية وحرب باردة، ثم أحادية قطبية أمريكية، والازدهار الذي شهدته تحت مظلة حلف الناتو والاتحاد الأوروبي، عادت هذه القارة إلى سيرتها الأولى من صراعات وعسكرة وحروب وانحدار اقتصادي وفوضى سياسية.

وكانت حروب العصر الصناعي قد بلغت آفاق فتك وتدمير هائلة، فالتهمت كل شيء، وتسببت بأضرار مادية ونفسية ومعنوية بالغة، لتتجاوز كوارثها المكاسب المتحققة منها بمراحل. هكذا، أصبحت الحرب العالمية الأولى (1914-1918) رمزاً ومثالاً، ان الفائزين في الحرب باتوا في المحصلة خاسرين، وبانتهاء القتال، غادر المنتصرون، لا ليحتفلوا، بل ليعلنوا الحداد، وأخذت ثقة أوروبا بقدرة الحرب على حل النزاعات تهتزّ. عام 1945، تلاشت هذه الثقة تماماً لدى قوى كبرى، وغدت بعد الحرب كبرى بالاسم فقط.

مفاجآت حرب أوكرانيا

في كتابه “هزيمة الغرب”، الصادر منذ أشهر، يفتتح المفكر الفرنسي إيمانويل تود نقاشاته بمفاجآت حرب أوكرانيا:

اندلاع الحرب في أوروبا التي اعتقدت أن الحرب جزء من الماضي.

طرفا الصراع هما الولايات المتحدة وروسيا، فيما الحديث منذ سنوات عن الصين كعدو رئيس لأمريكا.

الصمود الأوكراني بوجه الغزو الروسي.

صمود الاقتصاد الروسي رغم العقوبات المفروضة عليه.

أبرز المفاجآت هي وضع الاتحاد الأوروبي القلق وتراجع دوره دولياً، مع تراجع دور المحور الفرنسي-الألماني داخل الاتحاد أو تعويضه بمحور لندن -وارســو-كييف- وقيادة أمريكية، والمفاجأة الأهم هي “العزلة الأيديولوجية للغرب وجهله بها، فالغرب الذي تعوَّد على إخضاع العالم لمعاييره، انتظر بقناعة وبلاهة أن الكوكب بأسره سيعبّر عن سخطه على روسيا”.

والواقع أنه لا مفاجأة كبيرة، فقد عانت أفريقيا والبلاد العربية وأمريكا اللاتينية وآسيا الأمرّين من سياسات الغرب، وما تبقى من مصداقيته ستجهز عليه الإبادة الإسرائيلية بغزة، فلم تتردد دول الغرب في دعم إسرائيل سياسياً وعسكرياً، لكن المفاجأة الأخطر لحرب أوكرانيا هي “هزيمة الغرب” رغم أن الحرب لم تضع أوزارها بعد، لكن “تود” يراها مؤكدة.

الدولة القومية

إن الغرب “مريض”، وهو مرض لا تُشخّص أسبابه وآثاره إلا بالتوقف عــن ربط الهوية الحضارية للغرب بديمقراطيــة ليبرالية أو صناعة أو أسواق، لأن الهوية ترتبط بتطور الغرب وبالبروتستانتية التي يُنذر اختفاؤها بهزيمة الغرب، وهو سبب رئيس في أفول حقبة الدولة القومية (الدولة -الأمة) في السياق الغربي. والغرب ليس ليبرالياً، فقد أسس للفاشية الإيطالية والإسبانية والنازية الألمانية. عرف الغرب تطوراً اقتصادياً لم تعرفه منطقة أخرى بالعالم، ويرتبط هذا التطور بثورتين ثقافيتين: النهضة الإيطالية والإصلاح البروتستانتي.

تمتلك البروتســتانتية وجهين متناقضين في تاريخ الغرب، فقد أسهمت في النهوض التربوي والاقتصادي وظهور الدولة القومية، في سياق تمردها على مرجعية الكنيسة الكاثوليكية (العالمية) أو كنيسة الرب الواحدة، ودعمت تَشـكُّل وعي جمعي مستقل، وأسهمت دعوة مارتن لوثر لترجمة العهد القديم إلى الألمانية الحديثة في بناء الأمة الألمانية وهويتها القومية، لكن البروتســتانتية أكدت عدم المساواة بين البشر إلى درجة الدفاع عن موقف عنصري، كما في سياق النازية تجاه اليهود أو السياق الأمريكي تجاه السود.

أزمات الرأسمالية

كذلك، وقع طلاق بين الديمقراطية والرأسمالية منذ سبعينيات القرن العشــرين. وتعبّر أزمة الرأسمالية – الديمقراطية عن نفسها عبر ثلاث أزمــات: الأزمة المصرفية، وأزمة المالية العامة، وأزمة الاقتصاد الحقيقي.

يصف عالم الاجتماع الاقتصادي فولفغانغ شــتريك “نزع الديمقراطية عن الرأسمالية عبر نزع الطابع الاقتصادي عن الديمقراطية”. والأهم أنه “بعد أزمة 2008 المالية العالمية، لا يمكن فهم السياســة ومؤسساتها إلا في علاقتها الوثيقة بالأسواق والمصالح الاقتصادية وما نتج منها من هياكل طبقية وصراعات”، فالفصل الصامت بين الرأسمالية والديمقراطية أدى إلى اغتراب المجتمع عن السياسة، وأكد الاســتعمار الاقتصادي لعالم الحياة بأدق تفاصيله. يعبّر هذا الاستعمار عن نفسه كصناعة ثقافية تُنمِّط الإنسان وتختزله في نموذج مفارق ومستقيل من إنسانيته تاريخياً، متمظهر في النزعة الاستهلاكية.

بدورها، تتناول الفيلسوفة السياسية الأمريكية، نانسي فريزر، صعود الشعبوية بالغرب إلى السلطة في علاقتها بـ”الاعتراف” (وسيلة تكامل اجتماعي أساسية تربط المجتمع ببعضه) ونظام “توزيع الثروة” كمكونين معياريين أساسيين لأية منظومة هيمنة. ويُنبئ ظهور الشعبوية بتفكك كتلة مهيمنة سابقة وتسفيه العلاقة المعيارية المُميِزة بين عدالة التوزيع والاعتراف.

العدمية الألمانية

لا يبالغ “تود” في قوله، إنَّ الغرب يدافع عن ديمقراطية لم تعد موجودة أو لم تعد تعبّر عن تطلعات الشعوب بقدر ما تبرر وتشرعن سياسات غير اجتماعية لمؤسسات نيوليبرالية، ما يعني انهيار الديمقراطية “التمثيلية” وتحكم قوى بيروقراطية نافذة غير منتخبة لا تعبّر عن جسم الأمة السياسي السيادي، ما يفسر صعود الشعبوية التي تحاول السردية النيوليبرالية تقديمها كحركة تريد احتكار تمثيل الشعب وإلغاء التعددية. هكذا، اختُزلت الديمقراطية بالغرب إلى “أوليغاركيات ليبرالية” مع توفر الحرية السياسية، في مقابل “ديمقراطية تسلطية” يتمتع فيها النظام الروسي بشرعية وقبول شعبي مع حرية محدودة.

في نص شهير، يتحدث ليو شتراوس عن “العدمية الألمانية”، ويعرِّف العدمية بـ”إرادة للاشيء، والتدمير لكل شيء، وتدمير الذات نفسها، بل هي أساساً إرادة تدمير الذات”، لكن العدمية الألمانية ليست مطلقة وراغبة في تدمير كل شيء، بل ترغب في تدمير الحضارة الحديثة. وقد عبّرت عن نفسها بالانتصار للثقافة ضد الحضارة وقيم الليبرالية، أي تنتصر للجماعة القَبلية ضد قيم المواطنة، ولقيم الحرب ضد السلام.

توضح عدمية الغرب اليوم، أن النيوليبرالية، ورغم دعاوى العالمية، هي ثقافة إمبريالية مغلقة تناقض منجزات الحضارة الحديثة، وتستبدل “المستهلك” بـ”المواطن”، و”الشركة” بـ”الدولة.

وتفرق بين الإنسان المنتج والإنسان الزائد، وشأن كل ثقافة قبلية أو مجتمع مغلق، سترفض التعددية، فالعدمية لا ترتبط بتيارات عنصرية وقومية وثقافية فقط، لكنها تتخذ طابعاً كونياً، فالأمر يتعلق بعالمية إمبريالية، بلا تراحم، أو بعالمية ضد العالم، مكتفية بذاتها، عاجزة عن التعلُم من الآخرين، تعتقد اعتقاداً مَرَضياً بأن سرديتها تقدم كل الأجوبة لأسئلة الإنسانية المعاصرة وقضايا المصير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى