اراء

التضليل الاعلامي لخدمة «داعش» .. معارك الفلوجة نموذجاً

hgjfh

عادل الجبوري

حظيت معارك تحرير مدينة الفلوجة العراقية التابعة لمحافظة الانبار، والتي لا تبعد عن العاصمة بغداد أكثر من خمسين كيلومتراً، باهتمام واسع من قبل مختلف وسائل الاعلام العراقية والعربية والأجنبية، لاسيما الرئيسة منها التي تمتاز بسعة الانتشار وكثرة المشاهدة. وقد اتخذ هذا الاهتمام الاعلامي الواسع منحى سلبياً واضحاً، منطلقاً من تزييف للحقائق من جانب، ومن جانب اخر تهويل وتضخيم للأخطاء والسلبيات، ومن جانب ثالث اضفاء الصبغة الطائفية على المعركة، وكأنها بين «ميليشيات» شيعية ومكون اجتماعي سني. وإذا كان ثمة ما هو غريب في الأمر، فإنه يتمثل في ذلك الضخ الاعلامي الممنهج والمبرمج بين وسائل اعلام ذات هويات ومساحات وتوجهات ومرجعيات مختلفة، حتى يبدو وكأن الأمر مدروس بدقة وعناية فائقة. والصورة الإعلامية الماثلة امامنا اليوم بكل تشوهاتها، لا تختلف كثيرا عن الصورة التي رسمتها وسائل الاعلام ذاتها لعمليات تحرير مدينة تكريت وعمليات تحرير مدن ومناطق أخرى، تمت بمشاركة قوات الجيش والحشد الشعبي وأبناء العشائر، وحتى قوات البيشمركة الكردية. قنوات فضائية، مثل الشرقية والبغدادية والتغيير، والجزيرة والعربية وفوكس نيوز و(CNN) و(BBC)، وصحف ورقية والكترونية مثل الشرق الاوسط وايلاف، ووكالات خبرية ومواقع على شبكة المعلومات الدولية (الانترنت)، ناهيك عن اعداد كبيرة من الحسابات الشخصية وغير الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وتويتر، كلها حشدت وعبأت امكاناتها وماكينتها الاعلامية لكي تكرس وترسخ في ذهن المتلقي جملة قضايا تجعله في النهاية يخرج بنتيجة مفادها ان معركة تحرير الفلوجة من عصابات «داعش» الارهابية معركة باطلة استهدفت ابناء المكون السني اكثر مما استهدفت «داعش». ومن بين ابرز القضايا التضليلية التي عملت عليها وسائل الاعلام المشار اليها، وغيرها ممن يدور في فلكها وينفذ ذات الاجندات: الإدعاء بأن قوات الحشد الشعبي التي شاركت في عمليات تحرير الفلوجة ارتكبت انتهاكات لحقوق الانسان هناك، من قبيل تخريب البيوت ودور العبادة، وقتل المدنيين الابرياء، ومصادرة ممتلكاتهم. وإذا كان قد حصل شيء من هذا القبيل، فإنه لا يتعدى كونه سلوكيات وممارسات فردية، لا تعكس سياسات وتوجهات رسمية، وقد اعترف واقر قادة ميدانيون وزعماء سياسيون بحصول ذلك، بيد انهم في ذات الوقت اكدوا ان مثل تلك السلوكيات والممارسات تعد مرفوضة ومدانة وينبغي ملاحقة ومحاسبة مرتكبيها. مع العلم ان كل الحروب والمعارك، سواء كانت خارجية بين دول أو داخلية بين مكونات وجماعات عرقية وقومية ومذهبية، تشهد تجاوزات وانتهاكات، وقد يكون من الصعب بمكان ضبط ايقاع الانفعالات والسلوكيات الفردية بالكامل. الملاحظ ان وسائل الاعلام «المغرضة» – ان صح التعبير- راحت تختلق وتهول وتضخم الوقائع والأحداث ضد الحشد الشعبي، وتقلل وتهون من اثر جرائم تنظيم «داعش» التي تمثلت باحتجاز آلاف الناس كدروع بشرية، وهدم البيوت على رؤوس ابنائها، وسلب ونهب الممتلكات، وسبي النساء. وهذا الاسلوب والمنهج النفاقي، ليس جديدا على وسائل اعلام اعتمدت وتعمدت دوما قلب الحقائق وتزييفها، وتصوير الحق باطلا والباطل حق. برغم ان قوات الحشد الشعبي لم تكن وحدها في الميدان، وإنما كانت هناك قوات الجيش، وجهاز مكافحة الارهاب، والحشد العشائري، والشرطة الاتحادية، وهذه تمثل طيفا واسعا من الناحية الاجتماعية، ولا تحمل هوية اجتماعية معينة، إلا ان وسائل الاعلام «المغرضة» صورت الأمر وكأن الحشد الشعبي وحده في الميدان، وحتى لو كان ذلك فعلا، فهي تتجنب الحديث عن الانتصارات المتحققة على يديه، والتي افضت الى تطهير قرى ومناطق عديدة في محيط مدينة الفلوجة من عصابات «داعش»، بينما تنقل صورا ومشاهد لأناس مقتولين أو منارة مسجد مهدمة أو اناس نازحين محرومين من المأوى والمأكل والمشرب، وتدعي ان الحشد الشعبي أو بحسب تسميتها «الميليشيات الشيعية» هي التي قامت بهذه الاعمال ، علما ان من يدقق بامعان، يكتشف ان الكثير من تلك الصور تعود لأماكن وأحداث بعيدة تماما عن الفلوجة، وفي اوقات سابقة انكشف زيف ادعاءات بعض وسائل الاعلام من خلال تغطياتها المفبركة لجانب من المعارك ضد «داعش» في سوريا والعراق. حرصت وسائل الاعلام «المغرضة» على تصوير الدور الايراني بالكبير والخطير، من خلال الحديث عن وجود عدد كبير من القيادات العسكرية الايرانية في الفلوجة، وحضور الجنرال قاسم سليماني الى جانب القادة العسكريين العراقيين، لاسيما قادة الحشد الشعبي، مع تسليط الأضواء كثيرا على تصريحات تحذيرية من الدور الايراني، لساسة ودبلوماسيين وعسكريين عرب وأجانب، ولعل ابرزهم السفير السعودي في العراق المثير للجدل ثامر السبهان. ومن خلال ذلك سعت وسائل الاعلام «المغرضة» الى ترسيخ حقيقة معينة في ذهن المتلقي، مفادها ان ايران هي التي تدير وتوجه معارك الفلوجة، والانتصار في تلك المعارك يعني ان ايران ستثبت موطئ قدم لها هناك، وبالتالي ستتمدد خارج حدود المكون الشيعي، الذي تدعي انها تدافع عنه. وهذا ما يثير حفيظة دول عديدة تعد نفسها مرجعيات وزعامات اساسية للمكون السني، مثل السعودية وتركيا وقطر والإمارات وغيرها. بطريقة أو بأخرى تحاول وسائل الاعلام المشار اليها، الايحاء بأن تنظيم «داعش» الارهابي يتملك امكانات وقدرات وخبرات عسكرية، وان هزيمته في معركة ما لا تعني نهايته، بل انه يمكن ان يستعيد قوته ويعوض خسائره في مواقع أخرى، فمثلا عندما ينكسر في العراق وسوريا، فإنه يفرض وجوده بدرجة أكبر في ليبيا وغيرها، وحتى تصوير النزعة الاجرامية لـ «داعش»، يمكن ان يراد منها اظهار قسوته المفرطة، لإدخال الرعب والفزع في نفوس المدنيين من ابناء المدن والمناطق المرتهنة تحت سطوته أو المهددة من قبله، وهذا احد اساليب الحرب النفسية التي تتعمد بعض الأطراف استخدامها لكسر الروح المعنوية لدى الخصم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى