شبكة التجسس الأمريكية في اليمن.. دروس عن أذرع الـ CIA

بقلم: ميساء مقدم..
كشفت الأجهزة الأمنية في اليمن عن واحدة من أكبر شبكات التجسس تغلغلًا في مفاصل الدولة خلال العقود الأخيرة. الشبكة الأميركية – “الإسرائيلية” مثّلت نموذجًا حيًا وواضحًا عن أسلوب العمل الأميركي “الناعم” في البلدان المناوئة، وحجم اختراق وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية الـ CIAلمؤسسات هذه الدول.
بداية، لا بد من الإشارة إلى ماهية الجهاز الاستخباراتي الذي عملت تحت ظلّه الشبكة العنكبوتية المتفرّعة في مختلف المجالات (الأمنية والعسكرية والاقتصادية والسياسية والصحية والتعليمية والزراعية والثقافية والاجتماعية) في اليمن. فأهميّة الإنجاز الأمني اليمني بالكشف عن هذه الشبكة، لا تتوقّف على المدّة الزمنية الطويلة التي تمتّع بها أفرادها بحريّة الحركة والعمل فقط، ولا على تشعّبها ووصولها إلى نواحٍ متعددة وشاملة من المجتمع اليمني، من مؤسسات الدولة إلى المنظمات الأهلية والأكاديميين وغيرهم، بل تنطلق كذلك من أهميّة الوكالة التي عملت لصالحها طيلة عقود.
لا تقف خطورة مهام الوكالة عند الجمع المعلوماتي والتحليل والتقييم، بل تتعدى ذلك إلى التنفيذ والإشراف على نشاطات سرية وبعض العمليات التكتيكية بناء على طلب من الرئيس الأميركي، أو الجيش الأميركي أو “شركاء آخرين”. انطلاقًا مما سبق، ليس مستغربًا أن تكون الوكالة هي الأكثر شهرة على صعيد التجسس على الحكومات الأجنبية والقيام بمهام سرّية في بلدان أخرى بهدف التأثير في سياساتها ومصيرها مثل تغيير نتائج الانتخابات فيها أو إسقاط وتبديل نظام الحكم.
ضرب الزراعة والصحة والتعليم.. أهداف طويلة الأمد
المعلومات التي كشفتها الأجهزة الأمنية اليمنية عن الشبكة المكتشفة، تخدم في بعض جوانبها تنفيذ مهام الوكالة الأميركية داخل اليمن، لكنها ليست حصرًا من المهام الأمنية ذات الأهداف المباشرة على المدى الزمني القريب، بل مهام ذات أهداف طويلة الأمد. فقد عملت هذه الشبكة مثلًا على منع اليمن من التقدم، وتدمير المجتمع اليمني، فقامت بأدوار تخريبية للجانب الزراعي، وركّزت على إفشال الهيآت البحثية الزراعية ومراكز إكثار البذور، فجندت عددًا من الجواسيس بوزارة الزراعة وكلّفتهم بإكثار الآفات الزراعية، والسعي لضرب الإنتاج المحلي وتمرير سياسات محبطة للمزارعين، ومغرية لاستيراد المنتجات الحيوانية والزراعية من الأسواق الأجنبية.
استغلال شعارات حقوق الإنسان
تحت عناوين عديدة، يستخدم الأميركيون شعارات مثل دعم حقوق الإنسان وتعزيز الحرية والحث على التطور والمساعدة على التدريب والتثقيف، للتغلغل داخل المجتمعات المستهدفة. وتحت عناوين مماثلة، عملت الشبكة الأخيرة على استقطاب الكثير من الشخصيات والتنسيق للزيارات إلى الولايات المتحدة الأميركية لتجنيدهم للعمل مع المخابرات الأميركية. التجنيد لم يستثنِ مختلف المستويات من اقتصاديين ومالكي شركات نفطية وتجارية، لما لدى هذه الفئات من تأثير في تنفيذ التوجّهات التدميرية التي تخدم الأميركيين.
فقد أقرّ الجاسوس جميل الفقيه مثلًا بجمعه معلومات عن البنك المركزي ونشاطه، والبنوك التجارية المختلفة، والبنوك الحكومية، ووزارة المالية والجمارك، والضرائب، على مدى 12 عامًا، معترفًا بعمله وإدراكه أن هدف الجانب الأميركي من جمع المعلومات هو استهداف الاقتصاد بشكل أكبر، والعمل على إضعاف العملة.
جاسوس آخر من ذوي الخبرة الطويلة (27 عامًا)، هو عبد القادر السقاف، وثّق لعلاقاته الواسعة في الوزارات اليمنية، ومنظمات المجتمع المدني، والمنظمات الدولية والسفارات الأخرى. وتقول وثائق تم كشفها عن السفارة الأميركية في اليمن، إنه لا يمكن الاستغناء عنه من قبل السفير أو نائب السفير أو القسم السياسي والاقتصادي في السفارة.
شكّل الإنجاز اليمني صفعة لوكالة الاستخبارات الأميركية، بعد أن عبثت بحريّة لعقود في الساحة اليمنية. أدارت شبكة التجسس الأميركية – “الإسرائيلية” نشاطًا استخباراتيًا استهدف القدرات العسكرية التي صنعتها القوات المسلحة اليمنية، في ظل العدوان الأميركي – السعودي على اليمن، لتمكين أعداء اليمن من احتلاله وجعله تابعًا للهيمنة الأميركية “الإسرائيلية”. الأجهزة الأمنية اليمنية التي حصلت على آلاف الوثائق والأدلة ذات العلاقة بالشبكة وأنشطتها التجسسية، تمثّل اليوم نموذجًا لا بد من تعميمه والاستفادة منه في مختلف الدول العربية والمستقلة التي ترفض الخضوع للهيمنة الأميركية، وتسعى للتحرر من قيودها. وهي درس جديد للمتخاذلين المعتمدين على الأميركيين، لا سيّما بعد أن كشفت المعطيات أن الوكالة الأميركية سعت لتصفية عدد من الجواسيس مع علمها بقرب اكتشافهم، علمًا أن أحدهم أفنى ما يقارب 34 عامًا من حياته بخدمة مشاريع أميركا في بلاده.



