“طوفان الأقصى” ومسؤولية تحرير “سوراقيا”

بقلم: أحمد الدرزي..
حرّكت معركة طوفان الأقصى، المياه الراكدة في العراق، بعد انطلاق المقاومة الإسلامية فيه، باتجاه الالتحام في المواجهة مع الكيان الصهيوني، وبدء استهداف الأمريكيين في قواعدهم المنتشرة في العراق وسوريا بأكثر من 167 عملية عسكرية، إضافة إلى استهداف موانئ أم الرشراش وحيفا في فلسطين المحتلة ومراكز عسكرية في الجولان السوري المحتل.
أفرز الاحتلال الأمريكي للعراق، منظومة سياسية تستند إلى دستور وضعته الولايات المتحدة، وفرضه الحاكم العسكري للعراق بول بريمر، بعد احتلاله عام 2003 بعام، ليشتهر باسمه فيما بعد، وليتحول بعدها العراق إلى ساحة للصراعات السياسية الداخلية بين الإخوة الأعداء، في محاولة من كلّ طرف عراقي، حتى ينال حصة أكبر من الكعكة الاقتصادية، وإلى بلد محكوم بخياراته الاقتصادية إلى درجة أن لا يسمح لشركة “سيمنس” الألمانية ببناء محطة غازية لتوليد الكهرباء على حساب الشركة الأمريكية “جينيرال إلكتريك”، ليصبح بعدها في حالة العطالة الذاتية بما لا يتناسب مع دوره التاريخي الحضاري وواقع جغرافيته السياسية.
وفي الخط الموازي للعملية السياسية، تشكلت مقاومة عراقية واضحة الأهداف تستند إلى الجذور الثقافية للعراق، وتضع نصب عينيها إخراج الأمريكيين منه كمرحلة أولى، وهذا ما أنجزته عام 2011، ثم تعود إلى العمل من جديد بعد عودة الاحتلال الأمريكي إليه من بوابة تنظيم “داعش” الذي اجتاح مناطق واسعة من العراق وسوريا.
أدركت المقاومة العراقية بعد الحرب في سوريا، أن مشكلة العراق مع الأمريكيين متعددة الأوجه والمستويات، فلا يمكن حصرها بقوات الاحتلال الأمريكي، ولا بتنظيم “داعش” الذي يعد الوجه الآخر للمشروع الأمريكي، بل تمتد إلى البيئة الإقليمية المحيطة بالعراق والدور الإسرائيلي الذي لا ينفصل عن المشروع الغربي، وكل ذلك هو في الجانب العسكري.
المستوى السياسي، لا ينفصل عن الجانب العسكري بحكم التركيبة السياسية للعراق التي تستند إلى الواقع الاثني والطائفي. لا يتوقف الأمر على هذا المستوى، بل يذهب بعيداً في الصراعات داخل كل هوية من الهويات الجدلية، بما يلقي بظلاله على مسار عمل المقاومة العراقية ضمن بيئة متشظية غير قابلة للاجتماع ببقاء الاحتلال الأمريكي واستمراره، ليس في العراق فحسب، بل في كل منطقة غرب آسيا أيضاً، وخصوصاً في سوريا.
ارتقت المقاومة العراقية إلى مستوى أعلى من مواجهة الأمريكيين مع بدء عملية “طوفان الأقصى”، انطلاقاً من وعيها والتزامها بوحدة الساحات، وما لعمق القضية الفلسطينية في الوجدان الشعبي العراقي الذي قد يختلف على كل شيء، لكنه لا يختلف على ارتباطه بفلسطين، واعتبارها قضيته الأساس التي قد تنحسر في إطار الصراعات الداخلية، ولكنها سرعان ما تعود إلى الواجهة من جديد، بعد أيّ عمل مقاوم ضد الكيان.
تم هذا الارتقاء بفتح جبهات متعددة ضد الأمريكيين في العراق وسوريا، إضافة إلى توجيه الرسائل العسكرية الضاغطة إلى الكيان الصهيوني باستهداف حيفا وأم الرشراش (إيلات). وقد كان أهم عمل مقاوم في سوريا إدراكاً منها بارتباط مصير البلدين ببعضهما بعضاً، وهما بالأساس من بيئة حضارية تاريخيّة مشتركة ومتكاملة فرضت نفسها عليهما.
أصبح دور المقاومة العراقية في إنهاء الاحتلال الأمريكي في سوريا يوازي دورها في العراق، وتبدو نسب نجاحها في سوريا أعلى منها في العراق، لعدم وجود مبرر قانوني شرعي بوجود القوات الأمريكية سوى ذريعة محاربة الإرهاب الممثلة بتنظيم “داعش”، على عكس العراق الذي توفر حكومته وبرلمانه حجج البقاء حتى الآن، برغم كل الاتفاقيات التي تمت بين الطرفين.
هذه المهمة التي تصدت لها المقاومة العراقية، لا يمكن أن تكون عبئها عليها وحدها، بل هي مهمة تكاملية مع كل قوى المقاومة في لبنان وسوريا، وهم بهذا الدور يعملون ضمن بيئة مشتركة للجغرافيا السياسية بما يمنح المناطق الثلاث، القدرة على الخروج من المأزق التاريخي المديد الذي تشكل بعد الحرب العالمية الأولى، وتحقيق الاستقلال الحقيقي الذي لا يمكن أن يُنجز إلا بخروج الأمريكيين من إقليم غرب آسيا.
تعدّ معركة إخراج الأمريكيين من العراق وسوريا، مفصلاً حقيقياً في تغيير مسار منطقة غرب آسيا بأكملها، وبشكل متكامل مع معركة “طوفان الأقصى” التي هشمت الدور الغربي الإسرائيلي، مهما كانت نتائج معركة غزة. وبشكل متكامل مع معركة “طوفان الأقصى” التي هشمت الدور الغربي الإسرائيلي، مهما كانت نتائج معركة غزة، من هنا تأتي أهمية ما تقوم به المقاومة العراقية في البلدين، فمستقبل الإقليم رهن بما سيحصل في سوريا والعراق، اللذين ستتحدّد من خلالهما الأدوار الإقليمية، فإلى أين سيسير الإقليم؟ إلى مزيد من الصراعات أم الذهاب نحو التكامل الإقليمي؟.



