لوحات عاصم عبد الأمير توثيق الوجع الجمعي من الحروب العبثية

المراقب العراقي/ علي ابراهيم..
تتبدى التجربة التشكيلية للفنان والناقد العراقي د. عاصم عبد الأمير بوصفها معماراً بصرياً ينهض على موازنة دقيقة بين جهارة الوعي النقدي الأكاديمي وسيولة التدفق الإبداعي الفطري، هو لا يرسم بعين المحاكي للمظاهر، بل بمجسات الباحث الحافر في طبقات الذاكرة الرافدينية والوجدانية، السطح التصويري عنده لا يبقى سطحا، بل يتحول إلى رقّ مجازي تتداخل فيه الأزمنة والعلامات، فتصبح اللوحة نصاً مفتوحاً على القراءة والتأويل.
تتجلّى التجربة التشكيلية للفنان العراقي عاصم عبد الأمير كمعمار بصري يوازن بين صرامة الوعي النقدي الأكاديمي وسيولة التدفق الفطري. وعبر بوابتي الرمزية الاختزالية والهندسة الفضائية، يحوّل السطح التصويري إلى رقّ مجازي وأرشيف مفتوح يوثق الذاكرة الرافدينية والوجع الجمعي من الحروب العبثية، متجاوزاً الثنائية المفتعلة بين الأصالة والمعاصرة ليعيد صياغة المحلّية بأدوات الحداثة.
قراءة بانورامية لتجربته تكشف نسقاً بنيوياً موحداً يستند إلى تفكيك الواقع وإعادة صياغته عبر بوابتين رئيستين: الرمزية الاختزالية، والهندسة الفضائية الصارمة. هاتان البوابتان لا تتصادمان، بل تعملان معا لإنتاج لغة بصرية قادرة على حمل الحكاية الجمعية العراقية دون أن تغرق في المباشرة التوثيقية.
أول ما يلفت النظر في أسلوب عبد الأمير هو العودة المستمرة إلى تقسيم الفضاء إلى وحدات مربعة ومستطيلة. تبدو اللوحة كخلية، أو كرقيم طيني قديم، أو كصفحة مخطوطة تراثية. هذا التقسيم واضح في الأعمال ذات الخلفيات الذهبية والصفراء، والتي تتوج أحيانا بعبارات نصية صريحة مثل المقامة العراقية.
هذا التنظيم ليس رغبة تنظيرية شكلية، هو أداة لاحتواء تدفق الحكايات. كل مربع يمثل مشهداً مستقلاً وحرفاً في جملة بصرية كبرى. بهذا يستعيد الفنان روح الواسطي ومقاماته، لكنه ينقلها إلى سياق معاصر. الذاكرة الجمعية العراقية تودع هنا ضمن أطر تحميها من التشتت والضياع، فتصبح اللوحة أرشيفاً بصرياً مفتوحاً.
التقسيم المربعي يمنح المشاهد إحساساً بالانتظام، لكنه لا يلغي الحركة الداخلية. بين المربعات تتدفق الخطوط والرموز، فتحدث حوارية بين النظام والعفوية. النظام يمنع الفوضى، والعفوية تمنع الجمود، بهذه المعادلة يحافظ عبد الأمير على توازن دقيق بين البناء الأكاديمي والاندفاع الشعبي.
عالم عبد الأمير مزدحم بمفردات طفولية المظهر، لكن جذورها بابلية وسومرية عبر خطوطه المختزلة تتحول هذه المفردات إلى أيقونات ثابتة يسهل التعرف عليها ويصعب نسيانها.
الكائنات البشرية تظهر بخطوط بدائية، بوجوه دائرية وعيون شاخصة مأخوذة من ملامح التماثيل السومرية القديمة. هذه الوجوه لا تبوح بالانفعال اللحظي، بل تعبر عن دهشة وجودية أزلية. هي تختزل الكائن الإنساني في أبهى درجات تجريده، فتصبح أقرب إلى التميمة منها إلى البورتريه.
كذلك يبدو المحيط البيئي حاضراً بقوة: الديكة، الأسماك، الطيور، القوارب المشاحيف، البيوت الطينية ذات القباب، النخيل، الأواني، هذه الكائنات ليست عناصر تزيينية، هي مفاتيح الهوية العراقية. السمكة والزورق هما عصب الحياة الرافدينية، والديك بزهوه يمثل حركية الحياة اليومية في القرية والمدينة والمحلة القديمة. الفنان يلتقط هذه المفردات ويعيد توظيفها بوصفها علامات قادرة على استدعاء السياق كله بلمحة واحدة.
وتظهر ثنائية الصيد والوجود بوضوح في الأعمال التي يهيمن عليها المناخ اللوني المائل إلى الخضرة والزرقة والبنفسج. صياد السمك يحمل قوسه أو رمحه في مواجهة كائن مائي ضخم. اللوحة تنتقل من التوثيق البيئي للأهوار وجنوب العراق إلى أسطورة صراع أزلي بين الإنسان ومصادر عيشه. الصياغة البصرية هنا تذكر باختزالات رواد الفن الحديث العراقي مثل جواد سليم وفائق حسن، لكنها تحتفظ برؤية كرافيكية معاصرة خاصة جداً، لا تقتبس بل تعيد التوليد.
المناخ الأصفر والذهبي يعيدنا إلى دفء الطين العراقي، إلى شمس الصحراء، إلى عتق المخطوطات التراثية والمقامات. هو لون الاحتفاء بالحياة واستنطاق التأريخ وإعادة تدويره. الخلفية الذهبية لا تمنح بريقاً استعراضياً، بل تمنح إحساساً بالزمن المترسب.
المناخ الأخضر والملون يعكس مناخات الأهوار، رطوبة الجنوب، والخصوبة. الخطوط السوداء السميكة تعمل هنا كهيكل عظمي يمسك بالكتل اللونية السائلة، فتمنح اللوحة طاقة تعبيرية عالية تجمع بين عفوية الفن الفطري ورصانة التكوين الحديث. الخط يحدد، واللون ينساب، فينتج توتر بصري منتج.
المناخ الأحمر المتفجر يظهر في فضاءات تتداخل فيها كتل حمراء قانية مع إشارات الطائرات والتقاطعات الحادة. الأحمر هنا ليس احتفاليا، بل نذير قلق واضطراب. هو يعبر عن المنعطفات الساخنة والحروب الإقليمية التي عاشها ويعيشها الإنسان في هذا المكان من العالم، فاللوحة تتحول إلى وثيقة احتجاج صامتة، إلى سجل بصري للوجع الجمعي.



