اراء

أزمة غذاء عالمية.. الصدمة الثانية في حرب ترامب ونتنياهو

موقع قناة الميادين..

لم يتسبب ترامب ونتنياهو بإزهاق أرواح آلاف المدنيين الإيرانيين الأبرياء فحسب، وإنما يتحملان المسؤولية المباشرة أيضاً عن إصابة مئات آلاف الأشخاص في مناطق عدة من العالم بالفقر والجوع.

وهذا أحد أهم وأخطر تداعيات الحرب على إيران، والذي لم يحظَ بتغطية إعلامية تتناسب مع أبعاده الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية. فأسعار النفط وتأثيراتها على مواطني الدول الغربية واقتصاداتها كانت تحتل دوماً “المانشيت” الأول في عناوين معظم الصحف والمنصات الإلكترونية والتغطيات التلفزيونية وغيرها، فيما تهمل الأخبار الأخرى المتعلقة بمعاناة الدول النامية من جراء تلك الحرب، أو يكون تناولها هامشياً وسريعاً.

كما يعلم الكثيرون، فإن إغلاق مضيق هرمز بفعل الحرب الحالية تسبب بوقف صادرات منطقة الخليج من الأسمدة والمواد الأولية الداخلة في صناعتها إلى العديد من أسواق الدول الآسيوية والأفريقية، إذ إن دول الخليج وإيران تمثل مركزاً محورياً في تجارة الأسمدة بسبب وفرة الغاز الطبيعي المستخدم في تصنيع الأمونيا واليوريا.

وفي هذا السياق، تكشف بيانات دولية وقطاعية عن أن نحو 50% من صادرات اليوريا العالمية ونحو 50% من صادرات الكبريت المرتبط بصناعة الأسمدة الفوسفاتية تمر عبر مضيق هرمز، كما تمثل دول المنطقة نحو 13% من صادرات النيتروجين العالمية، ونحو 9% من مغذيات الأسمدة الفوسفاتية.

وبحسب تقارير صادرة عن منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) والبنك الدولي خلال الأسابيع الأخيرة، فإن تراجع حركة الناقلات عبر المضيق بنسبة راوحت ما بين من 90-95%، وتوقف وتضرر منشآت الإنتاج المتعلقة بصناعة الأسمدة، فمثلاً توقفت إيران عن إنتاج الأمونيا، وعلقت قطر إنتاجها من اليوريا والأمونيا والكبريت في بعض المنشآت، جميعها عوامل أدت إلى ارتفاع أسعار اليوريا إلى أكثر من 850 دولاراً للطن الواحد في شهر نيسان الماضي، وبنسبة زيادة قدرها 80% مقارنة مع أسعار شهر شباط السابق، وهو ما انعكس أيضاً على مؤشر أسعار الأسمدة لدى البنك الدولي الذي ارتفع أكثر من 12% خلال الربع الأول من العام الحالي، محققاً بذلك أعلى مستوى له منذ 2022.

ملايين البشر

على خلاف تأثيرات توقف صادرات النفط، والتي تجلت سريعاً بموجة تضخم اجتاحت الأسواق العالمية وجمود أصاب القطاعات الاقتصادية والخدمية بنسب متفاوتة، فإن توقف صادرات الأسمدة والمواد الأولية الأساسية الداخلة في صناعتها لا تظهر تأثيراتها السلبية الفعلية إلا بعد انتهاء الموسم الزراعي، أو خلال مدة زمنية تراوح ما بين 6-12 شهراً، حيث يتحدد حجم التراجع الحاصل في إنتاج المحاصيل الزراعية، النقص الحاصل في الأسواق العالمية، وبالتالي قدرة الدول المستوردة في الوصول إلى احتياجاتها من المحاصيل الغذائية، ولا سيما الدول التي تعاني أصلاً من أزمات غذائية واقتصادية كبيرة.

وبالنظر إلى أن تقديرات بعض الباحثين تتحدث عن أن نصف سكان العالم يعيشون في دول لا تملك مخزوناً غذائياً يكفي لأكثر من 3 أشهر، فإن المنظمات والمؤسسات الأممية والدولية المعنية تصف ما ينتظر العالم خلال الفترة المقبلة بالصدمة الاقتصادية الثانية بعد صدمة النفط، وشدتها ستكون مرهونة بالمدة الزمنية التي سوف يستغرقها إغلاق مضيق هرمز.

تتوزع الدول المتوقع تأثرها بأزمة الغذاء المقبلة على ثلاث فئات، تتباين فيما بينها لجهة نسبة وماهية تأثرها.

فهناك أولاً الدول التي تعتمد على استيراد الأسمدة بشكل كامل، وهي بالتأكيد ستكون في مواجهة مشكلة تراجع الإنتاج الزراعي، وهذا سيحدث حتى لو اضطرت لتخفيض مخصصات الأسمدة لتكون بمتناول جميع المزارعين. هذه الفئة من الدول إما ستدخل في صدمة غذائية في حال عدم كفاية إنتاجها المحلي لاستهلاكها الذاتي وصعوبة ما تواجهه من أوضاع اقتصادية، أو ستضطر إلى تخفيض صادراتها من المحاصيل الزراعية بالنسبة للدول المصدرة، وبالتالي التسبب بحدوث اضطرابات في الأسواق العالمية، فضلاً عن خسارتها -الدول المصدرة- للعوائد المالية المعتادة.

الفئة الثانية هي الدول المستوردة للمحاصيل الزراعية الأساسية كالقمح والأرز، وهذه ستكون أيضاً على موعد مع أزمة غذائية متعددة الأوجه من نقص الكميات إلى تضخم الأسعار. والأكثر تأثراً هنا ستكون الدول التي تواجه أساساً أزمات غذائية من جراء موجات الجفاف والنزاعات والحروب، وكذلك الدول غير القادرة مالياً على توفير التمويل اللازم لتأمين استيراد الحد الأدنى من احتياجاتها.

الفئة الثالثة تتمثل في الدول المكتفية ذاتياً من حيث احتياجاتها من الأسمدة والإنتاج الزراعي، وهذه ستكون الرابحة من الأزمة الغذائية المقبلة من خلال تحكمها بالأسعار وبالأسواق العالمية، وربط صادراتها إلى بعض الدول بحسابات ومصالح سياسية أو اقتصادية معينة.

خسائر جانبية

كل هذه الأرقام والبيانات لم تكن تعني الرئيس الأمريكي ترامب، سواء أثناء التحضير للحرب ودراسة تداعياتها الاقتصادية على المنطقة والعالم أو خلال مجريات تلك الحرب أو حتى في مرحلة التفاوض.

وإلا لكانت هناك إجراءات احترازية أو عملت واشنطن على بدائل أخرى لحل النزاع مع إيران، لكن عموماً هذه هي سياسات جميع الإدارات الأمريكية المتعاقبة وحروبها التي شنتها في مناطق مختلفة من العالم والنزاعات التي دعمتها وغذتها، فأرواح البشر في دول الجنوب أو في عموم الدول النامية مجرد خسائر ثانوية أو أضرار جانبية في مسعى الولايات المتحدة لتحقيق أهدافها في السيطرة على الثروات والموارد وحماية “إسرائيل”.

وليس صحيحاً أن حسابات البيت الأبيض لتداعيات الحرب وتبعاتها لم تكن واضحة أو محسوبة بدقة، إذ لو أن فريق ترامب استشار برامج الذكاء الاصطناعي المجانية لقدمت له سيناريوهات عدة لما ستفضي إليه هذه الحرب، ومن بينها سيناريو إغلاق مضيق هرمز، وما يترتب عليه من انعكاسات اقتصادية سلبية على مختلف الدول والقطاعات والمجالات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى