إيران على طاولة بكين بين زيارتي ترامب وبوتين

بقلم: تمارا برو..
في غضون أيام قليلة، تحولت العاصمة الصينية بكين إلى مركز الثقل الأوحد للدبلوماسية العالمية، ومسرحاً لأهم حراك جيوسياسي يشهده هذا العقد. فما كادت قاعة الشعب الكبرى تودع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي عقد قمة مع نظيره الصيني وصفها الأخير بالتأريخية، حتى فتحت أبوابها لتستقبل بحفاوة شريكاً استراتيجياً هو الرئيس الروسي فلاديمير بوتين؛ ويشترك الضيفان بأنهما فتحا حرباً من دون أن يجدا السبيل لبلوغ نهايتها حتى الآن.
هذا التزامن الاستثنائي في الزيارتين لا يعكس فقط قدرة بكين على إدارة خيوط العلاقات الدولية المعقدة، بل يضع القيادة الصينية في تموضع عرّاب التوازنات الكبرى، وسط عالم تتقاذفه الأزمات التجارية والعسكرية ويبحث عن ملامح نظام متعدد الأقطاب.
جاء ترامب إلى الصين على أمل أن يضغط على بكين كي تستخدم نفوذها على طهران لفتح مضيق هرمز، والقبول بالشروط الأمريكية خلال عملية التفاوض بين البلدين. لذلك، طلب ترامب من الرئيس الصيني أن يقلص الدعم العسكري والاقتصادي لطهران. وربما أراد ترامب إيقاف صفقة بيع الأسلحة لتايوان بقيمة 14 مليار دولار مقابل أن توقف بكين دعمها لطهران وإجبارها على فتح مضيق هرمز.
غير أن بكين وإن اتفقت مع ترامب في القمة على عدد من النقاط التي تتعلق بإيران، كضرورة إبقاء مضيق هرمز مفتوحاً أمام حركة التجارة العالمية، ورفض أي محاولات لفرض رسوم عبور، ومنع إيران من امتلاك سلاح نووي، تزامناً مع تصريحات ترامب بأنه لا يمانع تعليق إيران لبرنامجها النووي لمدة 20 عاماً بشرط وجود التزام حقيقي، فإن هذه النقاط تمثل في الأساس موقف الصين من النووي الإيراني والحرب على إيران.
وترفض بكين امتلاك طهران للأسلحة النووية لأن ذلك سيدفع دولاً أخرى في المنطقة إلى السعي لبناء ترسانتها النووية، ما قد يؤدي إلى نشوب توترات واسعة في منطقة الشرق الأوسط.
بالمقابل، ترى الصين أن من حق إيران الحصول على برنامج نووي سلمي وترفض العقوبات المفروضة عليها، كما ترفض إغلاق مضيق هرمز، ودعت طهران مراراً إلى فتحه مثلما تعارض فرض رسوم عبور على السفن المارة عبر المضيق.
وقد كثفت الصين بعد زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من تحركاتها بالتعاون مع باكستان لحل النزاع بين أمريكا وإيران وفتح مضيق هرمز، من دون أن يعني ذلك بالضرورة الضغط على طهران لفتح المضيق والدخول في مفاوضات مع الولايات المتحدة الأمريكية، إذ ليس من مصلحة الصين أن تخسر طهران هذا الصراع، ما تسعى إليه بكين هو تقريب وجهات النظر بين طهران وواشنطن عبر وقف إطلاق النار، وفتح مضيق هرمز، وفك الحصار البحري عن الموانئ الإيرانية بالدرجة الأولى، ومن ثم الدخول في مفاوضات حول البرنامج النووي الإيراني ونفوذ طهران في المنطقة.
قد تُقنع بكين طهران بتقديم تنازلات والتخفيف من حدة مطالبها مقابل أن يكون هناك تنازلات من قبل واشنطن أيضاً. وسبق للصين أن أقنعت إيران بالدخول في مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة الأمريكية وتعهدت بحماية الوفد الإيراني المفاوض.
وفي إشارة إلى أهمية دور الصين وجديتها للوصول إلى حل للأزمة، عينت إيران رئيس البرلمان وكبير المفاوضين الإيرانيين في الملف النووي، محمد باقر قاليباف، ممثلاً خاصاً لإيران لدى الصين؛ ليتولى عملية التنسيق بين طهران وبكين فيما يتعلق بالملف النووي الإيراني، خاصة أن قاليباف كان قد تولى قيادة الوفد المفاوض الذي اجتمع بالوفد الأمريكي بقيادة نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس.
ولم يغب ملف إيران أيضاً عن قمة الرئيسين بوتين وشي، إذ اعتبرا أن الحرب على إيران تخالف القانون الدولي ويجب حلّ النزاع عبر الحوار. ومن أحد الشروط العالقة بين إيران والولايات المتحدة هو اليورانيوم عالي التخصيب الذي تطالب به الولايات المتحدة الأمريكية، بينما تصرّ طهران على الاحتفاظ به؛ حيث أصدر المرشد الأعلى السيد مجتبى خامنئي توجيهاً يقضي بعدم إرسال اليورانيوم عالي التخصيب إلى خارج البلاد. وقد اقترح الرئيس بوتين خلال القمة مع الرئيس شي، فكرة نقل وتخزين اليورانيوم المخصّب إلى روسيا.
والصين هي الأخرى أبدت استعدادها لنقل اليورانيوم المخصّب إلى أراضيها، حتى أن الرئيس ترامب صرّح بعد القمة الصينية الأمريكية بأن أميركا والصين فقط هما من تستطيعان جمع الغبار النووي في إيران، وربما في ذلك إشارة إلى أن ترامب على استعداد للقبول بنقل اليورانيوم إلى الصين مقابل تنازلات تقدمها بكين.
إن إصرار أمريكا على الحصول على اليورانيوم عالي التخصيب المقابل برفض إيراني قاطع لنقله إلى خارج البلاد، يشكل معضلة حقيقية أمام نجاح المفاوضات. وربما يكون الخيار بنقل اليورانيوم عالي التخصيب إلى بلد ثالث – سواء كان الصين أم روسيا أو أم بلد آخر يكون مقبولاً لدى إيران وأمريكا – أو تخفيف اليورانيوم المخصّب تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية أحد الحلول المطروحة لفك هذه العقدة.
تبدو الصين اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية؛ فإيران لم تعد بالنسبة إليها مجرد شريك سياسي واقتصادي، بل أصبحت ورقة اختبار لمكانة الصين الدولية، وقدرتها على التوفيق بين التنافس والتفاهم مع القوى الكبرى. وتشكل إيران اليوم اختباراً حقيقياً للنظام متعدد الأقطاب الذي يشدد عليه الزعيمان الصيني والروسي واندحاراً للهيمنة الغربية، وأيضاً امتحاناً للرئيس شي الذي يصرّح بأن الشرق يصعد والغرب يتراجع، إذ يرى أن الحضارات الشرقية بقيادة الصين تصعد بشكل منهجي، بينما تشهد القوى الغربية -وعلى رأسها الولايات المتحدة- تراجعاً نسبياً في نفوذها العالمي.



