كاتب جزائري يفضح جرائم الاحتلال الفرنسي عبر رواية “غرنوة”

طرح تأريخي بأسلوب جديد
المراقب العراقي/ متابعة..
سلط الكاتب والروائي الجزائري عبد الله كروم، الضوء على حقيقة تأريخية عاشتها بلاده إِبَّانَ الاحتلال الفرنسي، اذ أعاد احياء الجرائم التي ارتكبها الاحتلال عند تواجده وكيف استخدم الانسان والحيوان والأرض لخدمة تجاربه التوسعية وحروبه وصناعته للموت عبر القنابل المميتة، مما شكلت روايته وثيقة لإدانة الاحتلال بأسلوب أدبي.
وعن هذا الموضوع يرى الناقد طارق بوحالة، في دراسة نقدية اطلعت عليها “المراقب العراقي” أن “رواية عبد الله كروم عبرت عن هول هذا الحدث الذي جعل الناس يتحدثون في منطقة توات-إحدى مدن الجزائر- بأن «القيامة قامت» فكلّما وصفوا لحظة تنفيذ العملية النوويّة، حضرت هذه الجملة التي تلخص المشهد بما يعني «نهاية الدنيا» أينما ذهبت وجدت الهلع والقلق والخوف، في نفوس الساكنة كلها، وقد سبق الضياء الذي حول ليلها إلى نهار، فاسترعى الضوء فضول الناس فحدقوا فيه، فأعمى بعضهم على الفور، وبعد سماع الدّويّ العظيم تساقط الناس كالذباب على الأرض، مغشيًا عليهم من شدة الانفجار وقوته» (غرنوة)”.
ويضيف بوحالة ان “الرواية لا تغرق في تفاصيل هذه التفجيرات فحسب، بل إنها تفتح حديثا عن مجموعة من المصائر المرتبطة بشخصياتها ممثلة في السباعي ولد نجوم العائد من فيتنام برفقة زوجته، والحساني ولد مولاي شريف الذي بدوره يختار لنفسه مهمة البحث عن السلام انطلاقا من محلته وصولا إلى الميتربول، والطبيب الفرنسي دو لاكروا، الذي عكف في هذه الرواية على كتابة مذكراته تحت عنوان: مذكرات طبيب في الواحات، والفرنسي ميشيل دو فاري وهو جندي أمضى خدمته في قاعدة «حموديا» برفقة الحساني، وتجسد هذه الشخصيات تعددا صوتيا وسرديا، فلكل واحدة منها حكايتها التي يرويها. يصف الطبيب دو لا كروا منطقة رقان قائلا: «تقع رقان في الجنوب الغربي من الجزائر قرب الحدود المالية الموريتانية، إنها نهاية «توات» وبداية صحراء «تانزروفت» يعيش سكانها على الفلاحة وبعضهم على التجارة، ولاسيما تجارة المقايضة مع دول الجوار الافريقي”.
ويكمل بوحالة ان “كروم وصف سكان مدينة توات بقوله “انهم محبون للحياة، يعيشون على ممارسة الفلاحة التقليدية، الا ان الاستعمار الفرنسي عمل على تحويل هذه المنطقة الهادئة والمسالمة إلى ساحة للتجارب النووية المميتة، حيث يصف الحساني ولد مولاي الشريف –وهو احد شخصيات الرواية- كيف «تغيرت «رقان» بشكل تجاوز عهدها السابق حين زارها السباعي منذ عشر سنين، بل أصبحت باريس المصغّرة، حسب وصف القادمين منها، مدّت فيها الطرق المعبّدة، وأشعلت فيها الأنوار وبني فيها العديد من المرافق الحيوية، على غرار مستشفيات متعددة، وسوق، ومبان، وطرق.. وليس ذلك لسواد عيوننا، وإنما لحاجة في نفس ديغول وحكومته سيقضيها، وبعدها سوف يقضي علينا”.
ويؤكد ان ” الرواية تنخرط في وضع القارئ بسياق التفجيرات وما خلفته من رعب وهلع في صفوف السكان الذين لم يكونوا يعرفون مصدرها، هذه التجارب النووية التي لم ترحم بشرا ولا حجرا ولا حيوانا ويكفي أنها جعلت حظيرة خاصة لوضع الحيوانات من أجل أن تكون عيّنات لهذه التجارب، ويكفي مثال «تزّيقا» حمار الحساني. فقد تم حجزه، بعدما اعتقل صاحبه بدعوى أنه مطلوب من قبل المؤسسة الاستعمارية لإعادة التجنيد، وكان قد أمضى مدته القانونية في حرب فرنسا ضد فيتنام”.
ويسلط بوحالة الضوء على نص من الرواية: وتقول على لسان شخصية الحساني: “كل ما بقي في الذاكرة، كان في أواسط ديسمبر/كانون الأول 1959، وصلنا إلى قاعدة التارقية بأزرافيل، نزلنا من الشاحنة، أنا وحماري «تزّيقا» أخذوه هو إلى حظيرة مخصصة للحيوانات، بينما جرجرت للتحقيق في مكتب متهالك المقاعد، غمته رائحة السجائر.. وهكذا وجدت نفسي متهما بتجمع يهدد الأمن والاستقرار، تحقيقات كثيرة معي”.
ولفت الى ان ” شخصية الحساني ولد مولاي شريف تعد شخصية فاعلة في رواية غرنوة، باعتبارها محركا لكثير من الأحداث، وقد حاول عبد الله كروم أن يجعلها شخصيّة إنسانيّة تبحث عن السلام وإشاعته بين الناس في كل مكان، وهي ليست بالمهمة السهلة في ضوء العنف المنتشر هنا وهناك، خاصة العنف الاستعماري كونه الموضوع الأساس في رواية «غرنوة»”.
ونوه بأن “عبد الله كروم وسع في رواية «غرنوة» دائرة ضحايا تفجيرات رقان ولا يحصرها في السكان الجزائريين فحسب، بل إنها تشمل بعض الفرنسيين يمثلهم الجندي ميشيل دو فاري وباستيان، وقد أثبتت الكشوفات التي أجراها هذا الأخير بمستشفى في فرنسا أنه مصاب بالتهاب حاد في وجهه نتيجة سرطان الجلد، وميشيل مصاب بسرطان المعدة، كلاهما بسبب الإشعاع النووي جراء القنابل الفرنسية”.



