اراء

بين غزّة وأوكرانيا.. هل يحتمل الغرب هزيمة على جبهتين؟

بقلم: د. علي زعيتر..

يتحدث مراقبون كُثُر عن قواسم مشتركة عديدة بين حربَي أوكرانيا وغزة، علماً:

١أن رحى الحربين تدور في ساحتين مختلفتين، وبعيدتين كل البعد عن بعضهما، فغزة تقع في المشرق العربي، بينما تقع أوكرانيا في أوروبا الشرقية.

٢ –  أن المتصارعَين في كلتا الحلبتين مغايران ومختلفان، فلا روسيا تشبه إسرائيل، ولا حماس تشبه أوكرانيا.

فهل ما يتحدث عنه هؤلاء المراقبون صحيح؟ وما أهم تلك القواسم المشتركة؟

دعونا أولاً نتفق على أمر مهم، وهو أن الحروب في الغالب ــأيما حروب ــ تتشابه في مجرياتها وأهدافها ووسائلها، وعليه فمن الطبيعي جداً أن نجد بينها قواسم مشتركة، مهما تناءت ميادينها جغرافياً، ومهما تبدلت أسماء المتحاربين. وبالنسبة لحربي غزة وأوكرانيا، فإن عدد القواسم المشتركة قد يفوق التصور، نذكر منها:

أ- الداعم والممول واحد، وهو الغرب بشقَّيه الأميركي والأوروبي، حيث تتنافس الولايات المتحدة الأميركية، ودول أوروبا الغربية وعلى رأسها ألمانيا وبريطانيا وفرنسا على تأمين ما يلزم من السلاح والعتاد والمال وحتى العديد للرئيس الأوكراني فلوديمير زيلنسكي، على أمل أن يحد من نفوذ روسيا، ويدفعها إلى الانكفاء على ذاتها.

وفي الوقت نفسه تؤمّن هذه الدول، وإن بوتيرة متفاوتة ما يكفي من الدعم اللازم للكيان الصهيوني، على أمل أن يبقى قاعدة عسكرية متقدمة للغرب في المشرق العربي.

إن زيلينسكي الذي خرج من عالم التمثيل إلى عالم السياسة، ما زال حتى الآن يوهم نفسه بأن ما تتعرض له قواته في دونيتسك ولوغانسك وزابورجيا، لا يعدو أن يكون مجرد فيلم طويل، وسيأتي يوم ويفرغ من تصويره، فيما الحقيقة تقول، إن العجوزَين الأميركي والأوروبي أوقعاه في ورطة، قد تقضي على مستقبله السياسي نهائياً، هذا إن لم تأتِ على أوكرانيا بالكامل فتُحيلها بواراً.

على الضفة المقابلة “إسرائيل”، لا يبدو نتنياهو في وضع مشابه لزميله الأوكراني، فتجاربه الطويلة مع الغرب جعلته أكثر حذراً في التعاطي مع العجوزين الأوروبي والأميركي. صحيح أنه وغد على غرار زيلينسكي، وصحيح أن صولة السابع من تشرين الأول قد أفقدته صوابه، حتى غدا كالثور الهائج، ولكن هناك عوامل كثيرة تجعله أكثر تأنياً من زيلينسكي.

ب ـ- العدو المقصود واحد على كلتا الجبهتين، وهو إيران وروسيا وحلفاؤهما، فمن بين المهام القذرة المشتركة التي أوكلها العجوزان الأميركي والأوروبي لزيلنسكي ونتنياهو، هي محاولة إضعاف كل من روسيا وإيران ومحورَيهما.

صحيح أن إيران وروسيا ليستا في محور عسكري وسياسي واحد، بيد أن هناك الكثير من المصالح المشتركة بينهما، الأمر الذي حدا بأميركا وأوروبا إلى محاولة إنهاكهما وإشغالهما عبر فتح جبهتين منفصلتين في قارتين مختلفتين. لكن اللافت في الأمر:

١- أن الحربين اندلعتا بتوقيت روسي وفلسطيني، ما فوَّت على الغرب فرصة إطلاق الطلقة الأولى والتحكم بمسارات المعركة.

٢- أن السحر في كلتا الجبهتين انقلب على الساحر، فهذه روسيا وحلفاؤها في أوروبا الشرقية قاب قوسين أو أدنى من إحراز نصر تاريخي على أوروبا الغربية وأميركا في الحلبة الأوكرانية، بعدما منيت قوات زيلينسكي بخسائر فادحة إثر فشل هجومها الارتدادي في الربيع الماضي، وها هي إيران وحلفاؤها في فلسطين ولبنان والعراق واليمن يستعدون لإعلان الظفر على قوات نتنياهو الغارقة في وحول غزة.

جـ – إن كِلتا الحربين مرشحتان لتصبحا حرباً كبرى، فحرب أوكرانيا كادت في مرحلة من المراحل أن تتوسع رقعتها لتبلغ كامل أوروبا، لولا تدارك الأطراف المعنية، ولولا خشية الطرف المناوئ لروسيا من دفع أثمان باهظة.

د- للحربين تأثيرات مباشرة على السباق الرئاسي الأميركي، وكذلك على الواقع السياسي في الاتحاد الأوروبي. فقد ساهم الدعم المقدم من الولايات المتحدة والدول الأوروبية لـ”إسرائيل” وأوكرانيا في زيادة الأعباء على اقتصادات تلك الدول ما ينذر بتزايد النقمة الشعبية على الحكومات المحلية فيها، وهو ما سينعكس بدوره على مستقبل تلك الحكومات، ذلك أن معظم الدعم المقدم على كِلتا الجبهتين إنما يذهب بالدرجة الأولى من أمام مواطني تلك الدول.

هـ- إن ارتفاع أعداد الضحايا على كلتا الجبهتين بدأ يشكل رأياً عاماً غربياً شعبياً مناهضاً لكل السياسات الإمبريالية التي ينتهجها الغرب.

و- إن عدم تسليم نتنياهو وزيلينسكي بالهزيمة، وإصرارهما على استكمال المعركة بالرغم من كل إخفاقاتهما الميدانية، خلق حالة من اللا واقعية السياسية، بدأت تدفع أثمانها الجبهتان الداخليتان في كل من أوكرانيا والكيان الصهيوني، وهو ما سيؤدي عاجلاً أم آجلاً إلى اضطرابات شعبية، لن يقوى الرجلان على مواجهتها أو التعامل معها بالكيفية المطلوبة.

ز- عاجلاً أم آجلاً سيكتشف كل من نتنياهو وزيلينسكي أن رهانهما على الغرب لم يكن في محله. وعلى ما يبدو فإن زيلينسكي قد بدأ يقر بذلك، وما تصريحاته المنددة بالتقاعس الغربي إلا دليل حي وملموس على واقع الخيبة الذي يعيشه الرجل. أما نتنياهو، فإن التراشق الكلامي بينه وبين بايدن، والذي بدأ يطفو إلى السطح مؤخراً، لا يمكن تفسيره هو الآخر إلا على أنه تخبط سياسي يعكس حجم المأزق الذي يرزح تحت وطأته الرجلان.

كـ – ازدواجية المعايير الغربية التي وصلت في حدودها الدنيا إلى ما يمكن تسميته بالنفاق الغربي، ففي حين يتباكى قادة الغرب على المدنيين الذين يسقطون في أوكرانيا، وينددون بالقصف الروسي لبعض المنشآت الحيوية هناك، لا يتوانون على المقلب الفلسطيني عن تأييد القصف الإسرائيلي الوحشي للمستشفيات وسائر المرافق العامة، بذريعة دعم “حق إسرائيل” في “الدفاع” عن نفسها.

لـ – إن كلاً من الروس والفلسطينيين يسعون من أجل استعادة أراضيهم التاريخية. فلروسيا حق تاريخي لا ينكره أحد في مقاطعات زابورجيا ولوغانسك ودونتيسك، إذ من المعلوم أن هذه المقاطعات هي في الأساس أراضٍ روسية انتزعتها أوكرانيا بحكم الأمر الواقع، عقب تفكك الاتحاد السوفياتي عام ١٩٩١.

م- إن كِلتا الحربين ليستا وليدتَي اليوم، فلكل منهما جذورها التاريخية التي لا ينكرها أحد. فكما أن حرب أوكرانيا لم تكن وليدة الأحداث التي عصفت بشرق أوروبا في شباط ٢٠٢٢، موعد انطلاق الحرب، فإن حرب غزة هي الأخرى لم تكن وليدة ما حدث في ٧ تشرين الأول عام ٢٠٢٣.

إن القواسم المشتركة بين حربي غزة وأوكرانيا عديدة كما رأينا، وهو ما ينحو بنا إلى الاعتقاد بأن نتيجة المواجهة ستكون واحدة على الجبهتين، ولا غرابة في ذلك ما دام مايسترو الحربين واحد. إن الرأي السائد في أوساط المراقبين حالياً يمكن اختزاله في الجملة الآتية: إن هزيمة أي من زيلينسكي أو نتنياهو تعني هزيمة محتمة للغرب، فهل بمقدور الغرب أن يحتمل الهزيمة على جبهتين؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى