“وان تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم”

جمعة العطواني ..
ليس كلاماً عاطفياً، وليس كلاماً ينطق به عالم (ربّاني) أو (فقيه اسلامي)، انه قول أشرف خلق الله، الذي لا ينطق عن الهوى، رسول الله الأكرم “صلى الله عليه وآله وسلم”، ليس في كتب الشيعة فحسب، بل في كل صحاح السنة، من البخاري الى الترمذي ومسلم وغيرهم.
فعندما تلا رسول الله “صلى الله عليه وآله وسلم” قوله تعالى (وان تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم) سورة محمد، آية 38، قال له من كان حاضرا: يا رسول الله مَنْ هؤلاء الذين ان تولينا استُبدِلوا بنا ثم لا يكونوا أمثالنا؟ فضرب (رسول الله) على فخذ سلمان الفارسي ثم قال (هذا وقومه، لو كان الدين عند الثريا لتناوله رجال من فارس).
كما ان أمير المؤمنين علي “عليه السلام” ينقل ما قاله رسول الله بقوله (والذي فلق الحبة وبرا النسمة لقد سمعت محمداً صلى الله عليه وآله يقول (ليضربنكم على الدين عودا كما ضربتموه عليه بدءا) ينبغي الاشارة الى ان حديث رسول الله موجه الى العرب في ذلك الوقت.
مرت أكثر من ألف واربعمائة عام من تاريخ الإسلام ولم يكن لبلاد فارس موقف مميز في أعادة الدين أو الدفاع عنه عن سائر الحكام العرب والمسلمين، بل ان الشعارات البارزة كانت (العرب مادة الإسلام).
واهمٌ من يعتقد ان الدين هو مجموعة الأحكام الفقهية أو الفروع الاسلامية من صوم وصلاة وحج وسائر المسائل الفردية العبادية فقط، فهذا جزء من الدين .
سياق الآية الكريمة لا ترتبط بفروع الدين الفردية، بل انها في سياق الجهاد في سبيل الدين وفي سبيل رفض الظلم والعدوان، واعادة العِزة والكرامة للمسلمين، فصدر الآية يقول (ها أنتم هؤلاء تُدعَونَ لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء وان تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم).
والآية جاءت في سياق الانفاق في جهاد أعداء الاسلام، والانفاق له مصاديق متعددة منها، التضحية بالنفس أو المال أو السلاح أو المواقف التي تدعم المجاهدين في ساحات الجهاد .
ما نريد ان نخلص اليه اننا نعيش أجلى مصاديق الآية الكريمة في عصرنا الراهن، فلم يكن لبلاد فارس مواقف منفردة عن سائر المسلمين في الدفاع عن الاسلام كما هي عليه الآن، بل ولم يكن الحكام العرب في تراجع عن الدفاع عن قضايا الاسلام كما هم عليه الآن .
عندما ضرب رسول الله على فخذ سلمان وقال (هذا وقومه)، فانه يشير صراحة الى قومية القوم وجغرافيتهم، يريد ان يقول سيأتي على الأمة زمان تتخلى كل الأنظمة والحكام عن ثوابت الاسلام، ويتصدى قوم سلمان المحمدي ليكونوا رأس الحربة والحاضنة و(أم القرى) للأمة الاسلامية، لتعيد الاسلام الى واجهة التصدي للمستكبرين والطغاة كما تصدى المسلمون في صدر الاسلام الى طواغيت ذلك الزمان.
ولا نعلم ان التاريخ قد جاد أو يجود بدولة في بلاد فارس في حقيقة اسلامها ونظامها السياسي أكثر مما جاد به هذا الزمان، في عصر وريث المعصومين “عليهم السلام”، وهو الإمام الخميني، فالإمام الخميني هو الوحيد من عصر الغيبة الى يومنا هذا، الذي استطاع ان يعطي للامة هويتها الاسلامية من جديد، بعد ان حاولت كل الانظمة العربية والغربية تغيير هذه الهوية الى مجموعة هويات قومية وعرقية وطائفية، وادخلت الأمة في صراعات بينية.
الإمام الخميني ودولة ولاية الفقيه حملت مشعل الاسلام الذي أطفأ كل الهويات الثانوية، حتى ان بعض المتخلفين والمتطرفين من الشيعة اتهموا الإمام بانه يريد ان يحوّل الشيعة الى سنة، مثلما اتهم المتطرفون والنواصب من النخب والحكام العرب بان الإمام الخميني يريد ان يحوّل السُنة الى شيعة.



