جنوب لبنان عند تقاطع الميدان والإقليم.. قراءة في دوافع التصعيد الإسرائيلي

بقلم: جهاد حيدر..
لا يمكن فهم التصعيد “الإسرائيلي” الأخير في جنوب لبنان بوصفه مجرد توسّع عسكري منفصل عن سياقه السياسي، أو باعتباره رد فعل آنيًا على معركة حدودية متحركة، ما يجري أقرب إلى محاولة “إسرائيلية” لإعادة ضبط معادلة الحرب نفسها، في لحظة تتقاطع فيها ثلاثة مسارات ضاغطة: ارتفاع كلفة الاستنزاف الميداني، واهتزاز صورة الإنجاز داخل “إسرائيل”، واقتراب لحظة سياسية إقليمية قد تعيد تشكيل شروط الاشتباك في لبنان ضمن المسار الأمريكي – الإيراني.
الميدان هنا ليس نقطة البداية الوحيدة، لكنه أحد مفاتيح الفهم الأساسية. خلال المرحلة الأخيرة، أخذت عمليات حزب الله منحى أكثر كثافة من حيث الوتيرة والانتشار النسبي، لكن العنصر الأكثر تأثيرًا لم يكن فقط حجم الضربات، بل قدرتها على إنتاج صورة متكررة لاستهداف الجنود والآليات ومنظومات الدفاع. ففي الحروب المعاصرة، لا تُقاس النتائج بالخرائط وحدها، بل أيضًا بإدارة الإدراك والصورة التي تتشكل لدى المجتمع ولدى الجنود أنفسهم، ولدى المؤسسة السياسية، تتحول إلى جزء من المعركة لا يقل أهمية عن الاشتباك الميداني.
وحين تصبح صورة الاصطياد المتكرر للجنود أو الوسائط العسكرية جزءًا من المشهد اليومي، لا يعود السؤال داخل “إسرائيل” متعلقًا فقط بالخسائر المباشرة، بل بقدرة القيادة على الحفاظ على سردية السيطرة والمبادرة، وهنا تحديدًا تظهر إحدى وظائف التصعيد الحالي. فالتوسع البري، وتحسين التموضع الجغرافي، والاندفاع نحو نقاط أكثر حساسية، لا يهدف فقط إلى تحقيق مكاسب عملياتية، بل إلى تعديل صورة الحرب نفسها: استبدال صورة جيش يتلقى الضربات بصورة جيش يبادر، ويتوغل، ويفرض وقائع جديدة.
من هنا تبرز معضلة “إسرائيل” الأساسية: قد يقود السعي إلى الهروب من كلفة الاستنزاف إلى الانخراط في مسار يرفع هذه الكلفة ويجعلها أكثر اتساعًا. فالتوسع قد يمنح القيادة “الإسرائيلية” إنجازًا إدراكيًا قصير الأمد، لكنه قد يخلق في المقابل، بيئة عملياتية أكثر تعقيدًا وأكثر عرضة للاحتكاك المزمن. وهذا تحديدًا ما يجعل سيناريو الاحتلال سيفًا ذا حدين: مصدر ضغط على لبنان، لكنه أيضًا مصدر استنزاف محتمل لـ”إسرائيل” نفسها.
إلى جانب العامل الميداني، يتحرك عامل آخر لا يقل أهمية: الداخل “الإسرائيلي”. فالحروب الطويلة لا تُدار فقط بالقدرة العسكرية، بل أيضًا بقدرة القيادة على إدارة التوقعات والاحتقانات الداخلية. وكلما ارتفعت كلفة الحرب، أو تآكلت صورة الإنجاز، أو بدا أن الخصم مازال قادرًا على المبادرة، تتصاعد الأسئلة داخل المؤسسة السياسية والأمنية حول جدوى المسار القائم. وفي مثل هذه البيئات، يتحول التصعيد أحيانًا إلى أداة لإعادة الإمساك بالمبادرة، ليس فقط تجاه الخصم، بل أيضًا تجاه الجمهور الداخلي.
لكن المشهد لا يتوقف عند الحدود اللبنانية أو الحسابات “الإسرائيلية” الداخلية. ثمة بعد إقليمي يفرض حضوره بقوة: المسار الإيراني – الأمريكي. وتوقيت التصعيد ليس تفصيلًا ثانويًا في هذا السياق. فكل اقتراب من تفاهمات كبرى يعيد فتح سؤال الوقائع الميدانية: من يملك أوراق القوة؟ ومن يذهب إلى الطاولة وهو يحمل واقعًا أكثر ملاءمة لمصالحه؟.
في هذا الإطار، يصبح جنوب لبنان أكثر من ساحة مواجهة ثنائية؛ إذ يتحول إلى جزء من معادلة تفاوضية أوسع. فأي تفاهم محتمل بين واشنطن وطهران لا يمكن عزله بالكامل عن ملف لبنان، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. لذلك، فإن خلق وقائع ميدانية قبل لحظة سياسية حساسة قد يكون جزءًا من محاولة “إسرائيلية” لتحسين شروط البيئة الاستراتيجية التي ستولد منها أي ترتيبات لاحقة.
لكن هذا المسار بدوره ليس أحادي الاتجاه. فإذا ارتبط نجاح التفاهمات الإقليمية بتهدئة الساحة اللبنانية، فإن العامل الأمريكي يدخل إلى المعادلة بوصفه عنصر ضغط إضافيًا، لا على لبنان أو إيران فقط، بل على “إسرائيل” أيضًا. وهنا تتقاطع الحسابات: واشنطن قد تحتاج إلى منع انفجار يهدد مسارًا تفاوضيًا أوسع، بينما قد ترى “إسرائيل” أن توسيع الضغط الآن يمنحها هامشًا أكبر قبل أن تضيق خياراتها لاحقًا.
ما يجعل المرحلة الحالية شديدة الحساسية هو أنها تقع عند تقاطع منطقين متعارضين: منطق التوسيع “الإسرائيلي” لتحسين التموضع وإعادة إنتاج الردع، ومنطق الاستنزاف الذي يسعى إلى جعل أي احتلال أو تمركز طويل أكثر كلفة وأقل استقرارًا. وبين المنطقين، يتحرك العامل الإقليمي بوصفه متغيرًا قادرًا على تعديل اتجاهات الصراع أو تسريعها.
لهذا، فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بما إذا كانت “إسرائيل” قادرة على التوسع، أو ما إذا كانت المقاومة قادرة على الاستنزاف. السؤال الأعمق يتعلق بمن يستطيع تحمّل الزمن، لأن الحروب من هذا النوع لا تُحسم غالبًا بلحظة التقدم الأولى، بل بقدرة كل طرف على إدارة الكلفة، والحفاظ على الإرادة السياسية، والتكيف مع حرب تتجاوز حدود الميدان إلى الإدراك والداخل والإقليم معًا.



