اخر الأخبارثقافية

 ” ذاكرة بلون القهوة ” بحث في الهروب من النمطية والتكرار

المراقب العراقي/ رحيم يوسف..

يعمل الفن الشعبي ضمن منطقة واسعة من المجالات التي تهتم بحياة الناس وموروثاتهم وطرق حياتهم ومن أهم ما يميزه هو قدرة الفنان على استلهام ما تقدم عبر المعطيات البسيطة المتاحة أمام الفنان الشعبي التي  كمستلزمات اولية  للعمل على مشروعه الفني ،تلك المستلزمات الموجودة في متناول اليد والتي تتميز بالبساطة التي تبتعد عن الكلف المادية الكبيرة ، ولعلي لا أجانب الصواب حين اقول إن ثمة مشتركات كثيرة بين الفن الشعبي وكتابة الشعر ،  والشعر الحديث بالذات ومن اهم تلك المشتركات هو قدرة المشتغل فيهما الى تحويل اليومي والمألوف الى المدهش ، تلك القدرة التي لا بد من أن يدعمها خيال واسع ورؤية مستبصرة لديها الإمكانية على الفرز ، وبمعنى أدق رؤية ما لا يُرى في المهمل والمتروك الذي يمكن اعادة تدويره وخلق المدهش من خلاله وهذا ما عمد اليه الفنان التشكيلي صالح النجار في معرضه ( ذاكرة بلون القهوة ) والذي أقيم على قاعة ( شواكة ) بمنطقة المنصور / شارع الاميرات  ببغداد .

لعل المتابع لتجربة الفنان التشكيلي صالح النجار يعرف حجم الجهد الذي يبذله أثناء عمله على تجربته الفنية التي تتسم بالتجريب المستمر بحثا عن موضوعات ووسائط تعبيرية تعبر عن جديته وقدرته على الاكتشاف والإتيان بالجديد المُحمَّل بالمتعة الجمالية الخالصة ، وها هو يعود الى الوسط الفني بتجربة تحمل أسرار خصوصيتها عبر  الوسيط الفني الذي نفذ من خلاله التحربة وكذلك جدة موضوع التجربة الذي يشكل مساسا مباشرا بيوميات الكثير من الناس وطقوسهم في ممارسة العديد من الافعال في تلك اليوميات عبر لجوئه الى عملية التدوير في الخامة التي اشتغل عليها باعتبارها جديدة كليا في الوسط التشكيلي أو بالنسبة له على الاقل ، كما وبإمكان الجميع ملاحظة عمله المعروض من خلال تنفيذ سطوح أحادية اللون وتلك عقبة تُمكِّن من الإفلات منها عبر التنويع الشكلي داخل السطوح التصويرية التي نفذها باحترافيته المعروفة .

إن الفنان صالح النجار نسج اعمال معرضه لا من خلال الخيوط المتشابكة فحسب بل من خلال تشابك الحكايا التي تتضمنها السطوح التصويرية ، تلك الحكايا التي تنطلق من المُخيَّلة أساسا لا من الواقع الافتراضي ، من المخيلة لأن تلك الحكايا تم تجميعها من مجموعتة من الخطوط التي تكون الصور القابعة في قعر الفناجين الفارغة وتمت عملية تجميعها وفقا لخيال من يتصدى لتل المهمة ، ولعل من يقوم بتلك المهمة ذو دراية واسعة بطبائع وميول الناس تلك التي يكاشفها في لمحة بسيطة من الزمن ليرسم ما يتوافق مع ميولهم وأمنياتهم وهو بهذا يترجم تلك الميول بطريقتين لا ثالثة لهما ، الطريقة لاولى بقصد الإرضاء إذا كانت العملية ترمي الى مردودات مادية والطريقة الثانية بقصد التفاخر واعتبار ذاته إذا لم تكن العملية تتعلق بالربحية المادية ، لكن مع صالح النجار كانت العملية هي محاولة ناجحة لتدوين تلك الحكايا صوريا ، وأعتقد بأن المحاولة  تمت من خلال مراقبة دقيقة لهذا الفعل الذي يمارس باعتباره طقسا مرافقا لجلسات احتساء القهوة وهو طقس افتراضي ليس إلا .

النجار حاول بدرجة او أخرى من التمكن من ذلك عبر استغلال هذا اليومي والمألوف والذي يمر به الجميع مرور الكرام وخلق تجربة استحقت التلقي والوقوف عندها نقدا وتاويلا ، على الرغم من ضيق مساحة التحرك التي فرضها موضوع التجربة المحدود ومحدودية اللون التي لابد منها لأن تلك المخدوية تمثل روح التجربة لا خروجا عنها ولذلك كان  التنويع الشكلي الذي  قصده الفنان من اجل الخروج من التكرار الذي قد يُفضي الى النمطية ، وهو لم يكن تنويعا اعتباطيا بل كان تنويعا محسوبا بدقة شديدة تؤدي غرضها الرئيس القاضي بجذب المتلقي والحصول على تفاعله مع تلك السطوح ،  وعلى الرغم من صغرها النسبي الذي جعلها شبه موحدة تبدو كانها مختلفة الاحجام من خلال التنويعات التي بثت عليها والتي حملت في البعض منها  طابع التشخيص او جاءت على شكل تنويعات تجريدية تتماهى مع قصديات الفنان .

لم تكن سيادة او هيمنة اللون الاحادي وتدرجاته تشكل حالة من التكرار غير المجدي على السطوح بل حملت طابعا يشي الى تجديد أدائي يتشكل داخل السياق الاسلوبي الذي درج عليه الفنان في تجاربه السابقة على الرغم من كونه اختلف نوعا ما في الاداء ،  من هنا تتضح القدرات الادائية في قيادة وتنفيذ السطوح على اعتبار أنها لا تمنحه الكثير من الحرية بالتحكم باللون الاحادي وتدرجاته  لأنها شابهت اللون الجوزي المحروق والبني وبعض الدرجات التي تمكن من خلقها من خلاله .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى