اراء

حين تكون “أنت” لست أنت

بقلم/ منهل عبد الأمير المرشدي ..

منذ التاسع من نيسان ٢٠٠٣ ونحن نعيش ما أنعم الله علينا بنعمة مزدوجة، ونعاني ما نعاني، وندفع ما ندفع، من تداعيات نقمة مزدوجة. النعمة المزدوجة تتمثل بالخلاص من الدكتاتور الطاغوت المقبور صدام، اضافة الى نعمة الحرية والقدرة على التعبير وإبداء الرأي والانفتاح على العالم الخارجي. أما النقمة المزدوجة فتمثلت في تسلّط ألف صدام وصدام من الفاسدين والعملاء على مقدرات الشعب وثرواته، اضافة الى انفتاحنا المشؤوم على عالم الانترنت الافتراضي وطوبائية أصدقاء الوهم في الفيسبوك.. ولأننا وقعنا في هذه النعمة قبل ان تقع علينا من دون اشعار مسبق ولا أحم ولا دستور، تحوّل الفيسبوك الى سلاح ذي حدين، كما أمسى منبراً للصوتين على حد سواء، صوت الفضيلة وصوت الرذيلة.  عالم افتراضي متكامل يجمع في صفحاته بين الظلامية والميتافيزيقية والواقعية والثورية والدونية والجمال والقبح معا على حد سواء، المشكلة فينا ومن باب البساطة بالفطرة والطيبة بالوفرة، تعاملنا مع هذا الفيس الغريب العجيب، بحسن النوايا والتسليم للمنايا بلا خوف أو تحسب ولا هم يحزنون. طلبات صداقة تنهال علينا بلا اسم حقيقي ولا صورة شخصية ولا لون ولا طعم ولا رائحة، لكنها تحصل على الموافقة وتأكيد الطلب من دون ان نتأكد من هوية الآخر أو نطمئن له.. أغلب من يطلب الصداقة هم من الشباب شئت أم أبيت، وكأنهم من سكان الجنة جميعهم من الشباب. رجل عمره سبعين أو ثمانين عاما يضع صورة له أشبه ما تكون بصورة مهند التركي ويكتب عمره ما بين العشرين والثلاثين، فتتهاوى عليه القلوب من صديقات الشغف الوجداني أو من أصدقاء الباحثين عن وطن وهلّم جرّا.

نساء بعمر الحاجة أم حمدان تقارب السبعين وصورتها في الفيس أحلى وأجمل وأبهى من الأميرة ديانا، فتتهاوى عليها طلبات الصداقة والموافقة والتأكيد حسب الطابور وبالنسق، ممن يعانون فقر الذات أو يشعر بالفراغ أو لديه مشكلة عويصة مع زوجة قبيحة. وهكذا، اسماء الأصدقاء في الفيسبوك ما شاء الله بين الوردة البيضاء والشمس المشرقة وزهرة النرجس الى “ابو الأطياب ومحمد التقي وأبو الإيمان” وأسماء ما انزل الله بها من سلطان، تدمع لها العيون وتخشع لها القلوب.. ما أود ان أقوله اننا ازاء عالم افتراضي خطير ومخيف لا يستحق الوثوق به أو التسليم اليه، وقع الكثير من الاخوة والأخوات وحتى نحن والكثير من الزملاء والزميلات ومن كل المستويات، ضحية ما يعتمر بين طياتها من السفهاء وابناء الشياطين والمجرمين الذين تمرسوا في التهكير والاختراق، بل ان بعضهم اتخذ من الأمر مهنة للابتزاز الرخيص.. الأمر أمسى أكثر خطورة مع انتشار تقنية الذكاء الاصطناعي الذي يستطيع أن يجعلك أنت ليس أنت كما ترى نفسك ترتدي ما لا ترتدي أو تقول ما لا تعرف ما تقول. عالم خطير ونعمة هي بتمام النقمة وهي أشد خطورة على النساء لما يمثله الحياء للمرأة عندنا من عرف ودين. هي نصيحة لي ولكم ولكل من يقرأ، حاول ان تكون دقيقا واعيا في اختيار الصديق أو الموافقة على طلب الصداقة ولا تقبل اسما مستعارا أو صفحة بلا صورة وهوية وعنوان أو كل من لا تطمئن له بتمام اليقين.. هي نصيحة لي ولكم.. بقي ان أقول لكم اني لجأت الى صديق لي وهو بمنصب كبير ومهم في الدولة، ان يساعدني بالقبض على من هكر صفحتي أو ايقاف نشاطها على الأقل، فحاول ولم يستطع واعتذر مني، حينها تذكرت ذلك الذي ذهب الى وزير الدفاع في عهد صدام، عبد الجبار شنشل، وطلب منه ان يساعده بنقل ولده من وحدته في البصرة الى بغداد، فصمت شنشل ثم قال له (شغلتك هاي ينرادلها صماخ جبير) والسلام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى