لا حادث طيّارة ولا يحزنون.. بريغوجين تعرّض للتصفية

بقلم: جبار عبد الزهرة..
منذ الأيام الأولى التي وطأت بها أقدام آدم وحواء وذرّيّتهما تراب هذه الأرض، كان هناك صراع من أجل السلطة والحكومة، وتمثل الصراع الأول على الرغبة في السلطة والطمع في الحكومة بقتل هابيل لأخيه قابيل .
ومنذ ذلك اليوم، كانت هناك مسلَّمةٌ لا ينكرها إنسان رافقت الحياة البشرية وهي، أنَّ الحاكم أو الحكومة لا يرضيان أن ينازعهما خصم على مواقع السلطة، وإلاّ كان مصيره التلف عن طريق التصفية الجسدية لإزاحته من طريقهما في ممارسة مقتضيات الإدارة والسياسة .
ومنذ أنْ بلغتُ أنا عمر الشباب في سبعينيات القرن الماضي، عاصرت أخبار حكومات العالم وخاصة الكبرى منها، فوجدت أنَّ حكومات هذه الدول لا تترك معارضاً لها على قيد الحياة وتلاحقه أينما كان حتى تتمكن من تصفيته جسديا ومن هذه الحكومات حكومات بلاد القوقاز (الروس) .
وأستشهد بعملية اغتيال معارض روسي في السبعينيات أيَّام الاتحاد السوفيتي يوم كان رئيس مجلس السوفييت الأعلى (ليونيد بريجينيف) حيث كان هناك معارض للحكومة الروسية يقيم في أمريكا وقد أزعج وأغضب حكومة الكرملن بمواقفه وتصريحاته المعادية لها.
وسأقوم بسردها اعتمادًا على ما تسعفني به ذاكرتي مما يتعلق بها من تداعيات لأنني كنت معاصرا لها ولغيرها من مظاهر وتداعيات واقعية، والتي كانت من افرازات ما سُمّي في ذلك الوقت بالحرب الباردة بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي التي اعقبت أحداث الحرب العالمية الثانية.
لقد قرّر مسؤولو (الدوما) التخلص من هذا المعارض عن طريق القيام باغتياله ووضعوا خطة لذلك وهيئوا السلاح وانتدبوا رجلاً من جهاز المخابرات الروسية لتنفيذ عملية الاغتيال في داخل الأراضي الأمريكية.
ذهب هذا الرجل المكلف الى أمريكا وأخذ بمراقبة هذا المعارض وكان سلاحه مِظلَّة مَطَريَّة كان طرف العصا الحاملة لها الذي يقع فوق نسيج المظلة مصنوعًا من انبوب معدني دقيق ومصمَّم على شكل حقنة وفي داخله سمٌّ.
وشرع بتنفيذ عملية الاغتيال على النحو التالي، كان يحمل المظلة بيده من طرف المقبض واضعا إيَّاها فوق رأسه وعندما تلاقى على الطريق مع المعارض وجهاً لوجه، تظاهر بأنّه تعثر وطعنه بالرأس المعدني المدبب، فدخل السم في جسمه وعندما نهض من عثرته اعتذر من الرجل الخصم وواصل كل منهما طريقه.
غير اّنَّه بعد فترة من الزمن شعر الرجل الخصم بألم في صدره، فراجع الجهات الصحية في أمريكا، فتبين بعد الفحص أنّه تعرّض الى حالة تسمم وتدخلت الجهات الأمنية والمخابرات الأمريكية، فتبيَّن بعد التحقيق أن الرجل تعرّض الى عملية اغتيال بهذا الطريقة وفي حينها اتهمت الإدارة الأمريكية مخابرات حكومة الاتحاد السوفيتي باغتياله وحصلت ضجة كبيرة بين الدولتين.
هذه مقدمة تكاد تكون طويلة بعض الشيء أردت منها أنْ تكون خلفية انطلق منها في تحليل عملية مقتل قائد مجموعة فاغنر العسكرية الروسية يفيغيني بريغوجين والذي شكل مقتله حالة من الصدمة والشك والريبة وسط غموض شديد يلف الحادثة وتكهنات من البعض ومزاعم من البعض الآخر.
وكل ذلك بشأن احتمال اغتياله، وبالمحصلة النهائية تعددت الروايات المتعلقة بتحطم الطائرة التي كانت تقله و6 من أفراد مجموعته و3 هم طاقم الطائرة من بينهم المضيفة كريستينا راسبوبوفا وحصل الحادث شمالي العاصمة الروسية موسكو.
لقد أثارت الشك تدوينة المضيفة التي أرسلتها الى ذويها قبل اقلاع الطائرة والتي أشارت فيها الى أنَّ الطائرة فيها أعطال وهي بحاجة الى صيانة ويبدو انه ليس هناك من عطل في الطائرة، ولكن كانوا بحاجة الى بعض الوقت لغرض زرع المتفجرات في بدن الطائرة، وهو أمر رجحته كثير من الأوساط التي اهتمت بالحادث المأساوي وتابعته.
وقد عزَّزت مصادر غربية الشك في أنَّ سقوط الطائرة واحتراقها ومقتل جميع من كان على متنها حيث روجت لذلك عبر تقارير فيها مقطع فيديو سابقا لبوتين يقول فيه إنه “لا يتسامح مع الخيانة”، وربطته مع حادث تحطم طائرة بريغوجين، الذي كان قد قاد تمرّدًا فاشلا ضد الكرملين في حزيران الماضي .
وأستطيع القول، أنَّ المسؤولين بشكل عام من الروس ومن غيرهم يقومون بتصفية حتى الأشخاص الذين لا يلائمون مزاجهم حتى أنْ كان لا يشكل أدنى خطر على سلطته ومن ذلك، رئيس مجلس السوفييت الأعلى السابق استالين الذي أمر ان يؤتى له بمتخصص بالفكر الشيوعي ليلقي عليه محاضرات متعلقة بهذا الفكر وطروحاته الفلسفية والاقتصادية والصراع الطبقي، فانتدب له الحزب الشيوعي الروسي أكثر الرجال معرفة بنتاج كارل ماركس النظري والفكري وأعمقهم له فهما وبقي الرجل ثلاث سنوات يأتي الى ستالين ويلقي عليه محاضرة.
وذات يوم أرسل استالين في طلب هذا الرجل المسكين ولما حضر قال له وبغضب: مضى عليك 3 سنوات وانت تلقي عليَّ محاضرات تخص (فتفوّه بكلمات رديئة) وتقول (هذا فكر نير وعلم متطور) وأمر بإعدامه فأعدم.
لذا كان الأمر يستدعي من قائد فاغنر بريغوجين، لأن يأخذ الحيطة والحذر على حياته كونه أغضب الحكومة الروسية وعلى رأسها الرئيس بوتين في تمرده في يونيو.
وأن يكون دقيقاً في ذلك الحذر، وأن يتوجس الخيفة في نفسه على حياته خصوصاً وأن خصمه حكومة قوية لديها امكانيات هائلة وطرق مختلفة في تصفية خصومها.
ويبادر الى وضع برنامج أو خطة لتحركاته أو عندما يصعد طائرة أو سيارة أو غير ذلك خصوصا وأنَّه يقود مجموعة قتالية خلفت وراءها الكثير من الضحايا في العديد من دول العالم التي قاتلت فيها الى جانب بعض الأطراف المتصارعة هناك، لذلك فهو مستهدف من قبل عديد أطراف حكومية ومدنية داخل روسيا وخارجها قد اصابها منه ضرر ما، فضلا عن ذلك فأن يفغيني بريغوجين قد يكون ضحية عملية اغتيال دبرها له فلاديمير بوتين انتقاماً منه لأنَّه قاد تمرداً مسلحاً شكَّل خطراً كبيراً في حينه على القيادة السياسية والعسكرية الروسية وذلك قبل شهرين والبلاد في حالة حرب ضروس مع دولة أوكرانيا.
ومن الجدير بالذكر، أن أٌقول من قلة التدبير وضعف الحيلة وتهاوي الادراك وعصيان حكم العقل من قبل أيِّ إنسان مستهدف بأيَّ شكل من أشكال الاستهداف أن يأخذه الأمان من حاكم بينهما عداوة ونزاع على السلطة، وبسبب ذلك يضمر له الانتقام ويتحين الفرص للإيقاع به وهذا هو الفخ القاتل الذي وقع فيه يفغيني بريغوجين بعد ان علقت به مخالب بوتين.
كان بوتين قد وصف بريغوجين بأنه «خائن» خلال تمرد فاغنر يومي 23 و24 حزيران الماضي والذي ذكرته قبل قليل، وقال أيضا عنه منددا بسلوكه: وارتكب أخطاءً جسيمة في حياته وبهذا التوصيف يكون بريغوجين هو الضحية وبوتين هو الجلاد وذلك على سبيل الشك الشكلي وليس على سبيل اليقين.



