اراء

ماذا بعد زيارة الرئيس السوري لمسقط ؟

 

بقلم: اسيا العتروس..

لم يستمر اللقاء الذي جمع الرئيس السوري بشار الأسد والسلطان العماني هيثم بن سلطان في قصر البركة سوى بضع ساعات، ولكنها حملت في طياتها أكثر من رسالة، سيتعين تفكيكها لفهم مدى احتمالات تطور العلاقة بين البلدين، وما إذا سيكون ذلك تحول في موقف دول مجلس التعاون الخليجي مع سوريا.

قد يكون من السابق لأوانه اعتبار أن الزيارة المفاجئة للرئيس السوري بشار الاسد الى العاصمة العمانية مسقط اشارة بذوبان الجليد في العلاقات بين دمشق والدول العربية تماما كما انه سيكون من المبكر الحديث عن تطبيع في هذه العلاقات التي دخلت حالة من الجمود على مدى أكثر من عقد قبل أن يثير الزلزال المدمر والخسائر الرهيبة التي اصابت سوريا وتركيا حالة من التعاطف الانساني العابر للحدود، ولكن ايضا لتثير حالة من الاستياء والغضب الشعبي خاصة أمام تواضع حجم المساعدات الانسانية الدولية المخصصة للضحايا في سوريا بعد أكثر من عقد من حرب الاستنزاف والحصار والعزل والرهانات على اسقاط نظام الاسد وصعود المعارضة الى الحكم …وفي انتظار ان تتضح الصورة وما إذا سيكون لزيارة الاسد وهي الثانية الى بلد عربي منذ الأزمة السورية حيث كانت الزيارة الاولى الى الامارات في اذار الماضي فان موعد المحطات القادمة قد لا يتضح قبل منح واشنطن الضوء الاخضر ورفع الفيتو عن عزل النظام السوري وتعليق عضوية سوريا في الجامعة العربية… وربما توقع البعض ان يبادر الامين العام للجامعة العربية احمد أبو الغيط الى زيارة دمشق في هذه المحنة، ولكنه اختار عدم تلقف الفرصة التي التقطتها سلطنة عمان والتي تأتي بعد زيارة لوزير الخارجية الاماراتي وكذلك زيارة وزير الخارجية الاردني الى دمشق المنكوبة .

وقد يكون في اقدام سلطنة عمان على هذه الخطوة الاولى التي تأتي بعد نحو أربعة أشهر على قمة لم الشمل بالجزائر التي اختلفت خلالها الدول العربية بشأن عودة سوريا فتقرر لاحقا استبعادها عن القمة الى أجل غير مسمى وذلك برغم ان سوريا كانت الحاضر الغائب في مختلف اللقاءات خلال قمة الجزائر

لسنا بصدد التجني على أي طرف، ولكن ندرك جيدا ان سلطة القرار ليست بيد الدول الاعضاء في الجامعة لتقرر رفع أو ابقاء الحصار على سوريا، ولكن يبدو ان تواتر الدعوات من جانب النخب السياسية والحقوقية للمطالبة برفع العقوبات التي يفرضها قانون قيصر الأمريكي على سوريا الذي يعيق ايصال المساعدات الانسانية التي يحتاجها ضحايا الزلزال والتي بدونها لا يمكن الاستجابة لاحتياجات آلاف الضحايا العالقين تحت الانقاض أو المشردين

الواضح أن ذوبان الجليد وعودة بعض الدفء للعلاقات السورية ودول عربية يعني فشل التعاطي مع المعارضة أو المعارضات السورية المسلحة التي فشلت في اقناع أطراف اقليمية ودولية بدورها وقدرتها على ان تكون البديل المطلوب في سوريا حتى هذه المرحلة .

ولا شك ان في توجه الرئيس السوري الى العاصمة العمانية مسقط في اول زيارة له بعد الزلزال كانت الارجح نتيجة اتصالات مكثفة ومفاوضات في الكواليس بين دمشق ومسقط وربما بوساطة غير معلومة… صحيح ان سلطنة عمان ومنذ السلطان قابوس اختارت الحفاظ على علاقاتها الدبلوماسية بدل القطيعة ولم تقطع مسقط علاقاتها بسوريا طوال العقد الماضي، والأمر ذاته مع إيران وهو خيار يرفض تداعيات الفراغ السياسي حتى في زمن الأزمات.. وهو توجه الجزائر التي لم تقطع علاقاتها مع دمشق طوال الأزمة السورية.

اليوم يبدو ان دبلوماسية الكوارث والزلازل بدأت تؤتي القليل من ثمارها وقد تتجه لاحقا الى تعزيز ومواصلة عملية التطبيع… وحسب ما يتم تسريبه من الجوار التركي، فان كارثة الزلزال التي هزت سوريا وتركيا قد تعجل بعودة العلاقات بين سوريا وتركيا وهو ما لم ينفه الرئيس التركي اردوغان وهو الذي يستعد لخوض سباق انتخابي حاسم خلال ثلاثة أشهر وسيكون ربما من المهم تخفيف وقع ازمة اللاجئين السوريين في تركيا قبل هذا الموعد والبحث عن بدائل وخيارات دبلوماسية لاستعادة علاقات تركيا مع دول عربية وبينها مصر والسعودية

عمليا سيكون من المهم في هذه المرحلة التوقف عند تصريحات وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان في كلمته أمام مؤتمر ميونخ للأمن بحضور صناع القرار في العالم واغلب الاطراف المتداخلة في الازمة السورية، أن “هناك إجماعا داخل العالم العربي على أن الوضع الراهن لا يصلح وأننا بحاجة إلى إيجاد نهج آخر.. وهو بذلك اتخذ موقفا أكثر ليونة ودبلوماسية ازاء سوريا وربما يصح وصفها بانها أكثر واقعية من أي وقت مضى في التعاطي مع الأزمة في سوريا وما تقتضيه من ضرورة ايقاف النزيف قبل بلوغ نقطة الا عودة وحصول الانهيار الذي لا صحوة بعده

لقاء البركة خطوة من شأنها ان تقتصر المسافات نحو دمشق، ولكن ليس من الواضح ان كان ستتلوها خطوات من بقية الدول العربية التي تسابقت في ارسال المساعدات الانسانية للسوريين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى