اراء

خليجي 25.. اضطراب ذاكرة

 

جاسب عبد المجيد..

عندما تمطر السماء في البصرة، يبتلُّ رأسي في ميامي.

قبل افتتاح خليجي 25، كنتُ قلقاً بعض الشيء من أمور كثيرة، لكن الحفل جاء متناغماً مع قدرة المدينة البهيّة وتاريخها وحضارتها وفنونها وقاماتها الأدبيّة والفكريّة.

كنتُ أُراقب وسائل التواصل الاجتماعي والقنوات الرياضيّة الخليجيّة وهي تحتفي بحضارة العراق.. كان هناك تركيز على الجوانب المضيئة، حتى أصبح الإعلام الخليجي لسان حال البصرة.

هزّني وفجّر دمعي هتاف جمهور بلادي في ملعب البصرة الدولي: “بالروح بالدم نفديك ياعراق”، وتساءلت: ” لماذا يطلقُ أبناء وبنات الرافدين هذا الهتاف في بطولة رياضيّة؟ لمن يوجّهون رسالتهم؟

إنها تظاهرات جديدة بروح رياضيّة ضد الخيانة والفساد، تظاهرات تجمع هذه المرّة كل أطياف الشعب العراقي من زاخو إلى الفاو، وهي أيضاً رسالة دعم قويّة لكلّ جهد من شأنه أن يُعيد العراق إلى الواجهة الدوليّة، وإلى حيث يجب أن يكون.

هنا راحت ذاكرتي تجمع بين هتاف الجمهور وفتوى الشاعر العراقي العظيم، ابن البصرة، كاظم الحجّاج، وهو يقول لطلابه: “لا تصغوا لأذانٍ غير عراقي”. نعم، لقد كان النشيد عراقياً، وكان الأذان عراقياً في ملعبي البصرة والميناء.

هذه المرّة لم يكن الدمع حزيناً، بل أنهمر فخوراً بوحدة الصوت والروح والقول والفعل. استعادتْ ذاكرتي صور تنّور الطين، وبائعات اللبن، وطوابير الدرّاجات الهوائية.. إنها الدرّاجات الصفر لعمّال الموانئ، وتذكّرتُ الورد الجوري، فشممتُ عطر المعقل.

تذكّرتُ فرقة البصرة للفنون الشعبيّة التي قدّمت موروثات الجنوب العراقي في معظم دول العالم، وتذكّرت أن البصرة رائدة المسرح الغنائي في العراق، حيث أوبريت “بيادر خير” الذي أخرجه قصي البصري وكتب كلماته الشاعر الراحل علي العضب.

 

حزنتُ قليلاً عندما تذكّرتُ أن مسرح بهو الإدارة المحلّية، أو ذاكرة البصرة الثقافيّة، قد تم تحويله إلى محلّ كبير”مول” لبيع الملابس، بدلاً من تقديم الفكر والتراث والإبداع والفن.

ولد أمل جديد بعد افتتاح خليجي 25، فربّما يُشجّع هذا النجاح الجهات المسؤولة في البصرة على بناء مسارح وقاعات للفنون والشعر، لأن هذه الصالات إلى جانب الرياضة تعدُّ أحّد أبرز وسائل الجذب السياحي.

البصرة، مدينة الريادة الأدبيّة والفكريّة والفنيّة بحاجة إلى مسارح جميلة تتناغم مع جماليّة ملاعبها الحديثة.

أما في المجال الرياضي، فعلينا إعادة صياغة برامجنا بما تنسجم مع طموحات بلد أنجبت ساحاته الشعبيّة نجوماً أبهروا العالم بأدائهم ونتائجهم.

شكراً لعشائرنا الكريمة، شكراً لرجال ونساء العراق، شكراً لكلّ من أسهم في إنجاح البداية، ونأمل إنجاح الختام.

أما أنا، فيحاصرني في الغربة صوت السّياب وهو ينشد:

صوت تفجّر في قرارة نفسي الثكلى: عراق

كالمدّ يصعد، كالسحابة، كالدموع إلى العيون

الريح تصرخ بي عراق

والموج يعول بي عراق، عراق، ليس سوى عراق”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى