اراء

ظلمتمونا بحياتنا فأنصفونا بمماتنا .. رسالة إلى السوداني

 

بقلم/ منهل عبد الأمير المرشدي..

عن كل غريب في بلاد المهجر أتحدث، عن لوعة كل غريب من آهات الغربة وأسى الفراق الذي يعتمر القلوب شوقا للأهل والأحبة والذكريات، يكذب أو يبالغ أو يتوهم كل من يقول إنه وجد السعادة في بلاد الغربة أو أنه يعيش سعيدا بكل ما تعني السعادة، لا والله فجمال كل مدن أوروبا وأمريكا وأستراليا وغيرها لا يرتقي الى بهاء ظل نخلة على شاطئ دجلة أو لحظة من السكينة في حضرة من حضرات أهل البيت عليهم السلام. نحن لم نأتِ طامعين بالسعادة في أوروبا بل جئنا هاربين من شقاء الوطن وبلايا الأشقياء وتداعيات الظلم وجهل الجاهلين. نعم ولكل حكاية شاهد ودليل وقد تلقيت نبأ وفاة نجل صديقي وأخي قتيبة الباهلي المغفور له كرار إثر حادث سير في أستراليا. كان للخبر وقع الصدمة الكبرى علينا وعلى أهله ومحبيه وكل من يعرفه فقد كان الفقيد بعمر الشباب مؤمنا ملتزما مهذبا يسير في نهج الحسين عليه السلام ثقافة وصوتا وحياة. كان صوته خافقا في إحياء مناسبات آل البيت عليهم السلام في المساجد والحسينيات وحيثما تواجد المسلمون في أستراليا. ما دعاني لأكتب المقال هو ما أعرفه عن قصة الجهاد والمأساة التي عاشتها عائلة أخي أبي كرار حيث كانت له صولاته البطولية في الانتفاضة الشعبانية في مدينة القرنة بمحافظة البصرة وقد تعرض للملاحقة هو وعائلته من قبل أزلام النظام البعثي المقبور مما اضطرهم أن يتركوا أملاكهم وبساتينهم العامرة والهروب صوب الجارة إيران رغم أنه كان يعاني إصابة أحد أبنائه وابنته بمرض الثلاسيميا في مكونات الدم وهو ما أثقل كاهله وزاد عليهم من حمل البلية بما يحتاجه من تبديل مستمر للدم. لقد حاول أبو كرار أن يعود للعراق بعد سقوط الصنم متأملا أن يحصل على راتب تقاعدي كونه كان متطوعا في الجيش العراقي إلا أنه لم يفلح في ذلك حيث لم يعد يمتلك أي مستمسك أو وثيقة تؤيد ذلك ولم يجد اسمه في دائرة شؤون المحاربين وعاد من حيث أتى من دون حقوق تذكر وقلبه يقطر بالحزن والأسى وهو يرى بأم عينيه ما حصل أزلام النظام السابق وزنادقة الدوائر الأمنية للبعث الهدام على رواتب تقاعدية كما تتمنى أنفسهم وبما لا تتخيل عقولهم. لقد سارت الريح بما لا تشتهي السفن فساءت حالة الأولاد الصحية وانتقلت ابنته الصغرى الى جوار ربها تشكو جور الزمان وظلم بني الإنسان فلم يكن أمام أخينا أبي كرار إلا أن يتشبث بفرصة علاج ابنه منتظر حيثما يسمع أو يتلقى من أخبار وحزم أمره وهاجر في رحلة طويلة تحمل بين ثناياها كل آهات الألم والشجون حتى حطت به الرحال هناك في جزيرة أستراليا. ولنبلوكم أيكم أحسن عملا وقد كان البلاء ديدن المؤمنين فارتحل الفتى منتظر بما يحمل من روح بريئة وجسد عليل الى الرفيق الأعلى وكان ما كان من موقف نبيل للجالية العراقية والعربية هناك وموقف إيجابي للحكومة الأسترالية في تسهيل إجراءات نقل جثمانه الى العراق ليوارى الثرى في النجف الأشرف بشفاعة أمير المؤمنين عليه السلام. اليوم وقد شاء قضاء الله وقدره وانتقل الفقيد كرار الى رحمة الله الواسعة ولا نملك من دواعي التأسي إلا قراءة سورة الفاتحة وندعو الله أن يلهم أهله وإخوته الذين امتحن الله قلوبهم بالصبر والإيمان أن يلهمهم الصبر والسلوان فإننا نأمل من الأخ رئيس الوزراء السيد محمد شياع السوداني أن يوعز بإنصاف العراقيين ولمن يرغب أو يوصي بأن يدفن في ثرى الوطن بأن تقوم الدولة ومن خلال السفارات العراقية بتبنِّي نفقات النقل وتسهيل الإجراءات وكما يقول لسان حال القلوب الحزينة المتألمة ظلمتمونا في حياتنا فأنصفونا في مماتنا. إنا لله وإنا إليه راجعون.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى