اراء

حرب أوكرانيا .. هل تقود لإفلاس أوروبا ؟

 

بقلم/ أيوب نصر..

من بين الأمور التي تتردد كثيرا على الألسنة المتكلمين في الشأن الروسي، وتجري على أقلام الخائضين في هذه الحرب القائمة حاليا، هو أن بوتين، وروسيا، لم يجنِ شيئا من هذه الحرب، سوى أنه أحيا في نفوس الأوروبيين الرغبة في التسلح، مما دفعهم إلى رفع قيمة الميزانية المخصصة للتسلح والمجال العسكري.

وقد قرأت هذا الكلام، وأضرابه، في صحف عديدة ومواقع كثيرة، وسمعته حتى من بعض الأصدقاء، ممن أخوض معهم في هذه المواضيع، وممن يجمعني بهم هم الفكر والمعرفة، وكنت أجيب عن هذا الأمر بالقول: إن الصراع الغربي الروسي لم يزل قائما منذ ما قبل الحرب الأوكرانية بكثير، فلماذا لم تلجأ تلكم الدول الأوروبية إلى زيادة إنفاقها الحربي إلا الآن؟ كما أن الرهاب الروسي لم يغب يوما عن نفوس الأوروبيين، فلماذا لم يزيدوا من هذا الإنفاق الحربي والعسكري حتى اندلعت هذه الحرب؟.

إن الغرب لم يزل ينظر إلى روسيا على أنها عدو، ولهذا كانت علاقته معها علاقة صراع، وليست علاقة منافسة، وحين نتكلم عن صراع فهذا يقتضي أن الرفع من قيمة الإنفاق الأوروبي الحربي لا يجب أن يكون وليد هذه الأيام ونتاج هذه الحرب، وإنما يقتضي أن يكون على طول المدى في هذا الصراع، وهنا جدير بكل مهتم أن ينظر، إلى النظرية القائلة بأن هذه الحرب الجارية حاليا شرق أوروبا هي السبب في رفع الإنفاق الأوروبي الحربي، نظرة الشك والريبة والاستخفاف، وحري بكل باحث أن يدفعه بحثه  إلى الكشف عن السبب الحقيقي وراء هذا الرفع من الإنفاق الحربي الحادث في أوروبا.

إن تتبع الأحداث، واستقراءها، عبر الزمن الممتد من قبل هذه الحرب، أو العملية الخاصة كما يعتبرها الروس، إلى يوم الناس هذا، سيجعلنا نقف على أمر، وهو أن الحرب سبقها حدثان كبيران، كان لهما دور كبير في إعادة النظر في أشياء عديدة، فأما أولهما فهو الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، وأما الثاني فهو صفقة الغواصات التي خذلت فيها فرنسا من طرف أستراليا والولايات المتحدة، وفي هذين الحدثين، كانت التصريحات الأوروبية على اختلافها تلتقي في نقطة مهمة، وهي أنه لا يمكن لحلفاء الولايات المتحدة الأمريكية أن يعولوا عليها مستقبلا، وذلك أن التصرف الأمريكي، في الحدثين، سرب إلى نفوس الأوروبيين شعورا بأن الولايات المتحدة الأمريكية قد أعرضت عنهم وانتقصت من قدرهم واستخفت بقيمتهم، وهذا الشعور الذي تسرب إلى نفوسهم كان هو الشرارة الأولى التي جعلت الأوروبيين يدركون أن ظهورهم مكشوفة، وأن المظلة الأمريكية التي يركنون إليها وينطوون تحت حمايتها، لا تقوم على أساس متين، وهذا الذي حملهم على الرفع من قيمة الإنفاق الحربي والعسكري، ومن تتبع تصريحاتهم سواءً بعد الانسحاب من أفغانستان والطريقة التي تم بها، أو في مسألة الغواصات الفرنسية، سيجد أنها اجتمعت على أنه لا يمكن الاعتماد على الولايات المتحدة.

والولايات المتحدة في كل هذا لا لوم عليها ولا عتاب، وذلك أنها منذ قيامها، وإلى يوم الناس هذا، ليس لها عدو وليس لها صديق، وإنما لها مصالح، وإنما اللوم والعتاب على من لم يدرك هذه الحقيقة الواضحة الجلية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى