بين واشنطن وتل أبيب وأنقرة… هل يُدفع الجولاني إلى الحرب أم إلى الفخ؟

بقلم: د. ميساء المصري..
دعوني أبدأ بسؤال قد يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه ربما يكون أحد أخطر الأسئلة التي تُطرح اليوم داخل دوائر القرار الإقليمي والدولي، هل يرفض الجولاني إرسال قواته إلى لبنان لأنه لا يريد الانخراط في هذه المغامرة، أم لأنه يدرك أن دخولها قد يكون بداية نهاية مشروعه السياسي كله؟
لكن السؤال الأكثر أهمية لا يتعلق بالجولاني وحده، بل بما يجري خلف الكواليس. فهل نحن أمام مجرد خلاف حول الملف اللبناني، أم أمام محاولة أوسع لإعادة رسم خرائط النفوذ في المشرق العربي؟ وهل تحاول واشنطن وتل أبيب تحويل سوريا الجديدة إلى رافعة لمشروع إقليمي يتجاوز لبنان وحزب الله بكثير؟ فيما يقف الجولاني في قلب عاصفة إقليمية قد لا تسمح له طويلاً بالبقاء في المنطقة الرمادية.
ظاهرياً تبدو الصورة بسيطة، الجولاني يعلن رفض التدخل العسكري في لبنان، ويؤكد أن الحل سياسي لا عسكري. ومصادر دبلوماسية لبنانية تنقل عنه وصف لبنان بأنه (مستنقع)، ولنتذكر معا أن ظروف عام 1976 التي دخلت فيها القوات السورية إلى لبنان لم تعد موجودة اليوم. لكن السياسة في الشرق الأوسط لا تُقرأ من التصريحات، بل من توازنات القوة ومن المصالح التي تتحرك خلف الستار.
الحقيقة أن الجولاني يقف اليوم أمام معادلة تكاد تكون مستحيلة. فمن جهة، يحتاج إلى رفع العقوبات، الاعتراف الدولي، إعادة الإعمار، استعادة الاقتصاد، فتح الأبواب أمام الاستثمارات الخليجية والغربية، كلها ملفات تمر بشكل أو بآخر عبر البوابة الأمريكية. ومن جهة أخرى، يدرك أن التحول إلى أداة تنفيذ للمشروعات الأمريكية أو الإسرائيلية في المنطقة قد يهدد شرعيته الداخلية ويضعه في مواجهة قوى إقليمية ومحلية لا تزال تمتلك أوراقاً مؤثرة داخل سوريا وخارجها.
لهذا السبب تحديداً تبدو تصريحات دونالد ترامب حول إمكانية تسليم ملف حزب الله إلى سوريا أكثر أهمية مما تبدو عليه للوهلة الأولى. فالرجل لا يتحدث فقط عن خيار عسكري. بل يرسل رسالة سياسية واضحة ومحددة إلى أكثر من طرف في وقت واحد. رسالة إلى لبنان مُفادها أن البدائل موجودة. ورسالة إلى إسرائيل بأن واشنطن تبحث عن أدوات جديدة لإدارة الملف اللبناني. ورسالة إلى دمشق بأن موقعها في النظام الإقليمي الجديد لن يكون مجانياً.
ولنتفق إذن أن هنا تبدأ المعضلة الحقيقية. فإسرائيل بعد سنوات من المواجهة مع حزب الله لا تنظر إلى لبنان باعتباره مجرد ساحة حدودية. بل تعتبره عقدة مركزية في مشروع احتواء إيران. لذلك فإن ما تريده تل أبيب لا يقتصر على وقف إطلاق النار أو إقامة منطقة عازلة جنوب لبنان، بل إعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية المحيطة بها بالكامل. وأهمها عن طريق سوريا..
ان إسرائيل في علم القواعد العسكرية ما تحتاجه هو إضعاف البيئة التي يعمل فيها حزب الله وتقليص مساحة نفوذه وإعادة ترتيب موازين القوى الإقليمية لمصلحتها. وإذا أمكن تحقيق ذلك عبر دمشق فسيكون الأمر مكسباً استراتيجياً هائلاً لتل أبيب.
لكن الجولاني ينظر إلى المشهد من زاوية مختلفة تماماً. فالرجل الذي ورث دولة منهكة بعد سنوات من الحرب يدرك أن لبنان بالنسبة له ليس فرصة بل خطر. لبنان ليس ساحة يمكن دخولها ثم الخروج منها متى شاء. بل هو شبكة معقدة من الطوائف والمحاور الإقليمية والتوازنات الدولية. وكل قوة دخلت لبنان اعتقدت أنها ستديره اكتشفت لاحقاً أن لبنان هو الذي أعاد تشكيلها واستنزافها.
ومن هنا لا نغفل أن الحسابات التركية تسير في اتجاه مختلف تماماً عن بعض الرغبات الإسرائيلية والأمريكية. أنقرة لا تريد لسوريا أن تتحول إلى منصة حروب إقليمية. أولويتها تثبيت النظام الجديد، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وتأمين الحدود، ومنع عودة الفوضى. ولذلك فإن أي مغامرة عسكرية خارجية قد تهدد كل ما تم بناؤه خلال العامين الماضيين.
لكن الشرق الأوسط لا يسمح دائماً بالحياد. مهما حاول الجولاني الإمساك بالعصا من المنتصف. هل يقترب من واشنطن دون أن يصبح تابعاً لها. وهل يحافظ على علاقته بتركيا دون أن يظهر كوكيل لها. وهل ينفتح على الخليج دون أن يدخل في صدام مباشر مع بقية القوى الإقليمية.
ولا ننسى أن التأريخ الإقليمي أخبرنا أن المنطقة نادراً ما تكافئ من يقف في المنتصف عندما تتصاعد الصراعات الكبرى.
ومن هنا تظهر المسألة الأخطر ما هو ثمن الرفض؟ الثمن قد لا يكون اقتصادياً فقط، ولا سياسياً فقط. فكلما ارتفعت رهانات اللاعبين الدوليين على سوريا، ارتفعت أيضاً المخاطر المحيطة بقيادتها. لا توجد أدلة على وجود مخططات لاستهداف الجولاني، لكن قراءة تأريخ المنطقة تكشف حقيقة ثابتة، عندما تصبح دولة ما محوراً لتقاطعات استراتيجية كبرى، يصبح قادتها جزءاً من الصراع نفسه.
لهذا فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان الجولاني سيدخل لبنان. بل هو، هل يستطيع الاستمرار في رفض الدخول إذا تحولت الرغبة الأمريكية والإسرائيلية إلى ضغط مباشر؟ وهل يستطيع البقاء على الحبل المشدود بين واشنطن وأنقرة والرياض وتل أبيب دون أن يدفع ثمناً سياسياً أو أمنياً باهظاً؟.
لأن ما يجري اليوم لا يتعلق بلبنان وحده، ولا بحزب الله وحده، ولا حتى بالمفاوضات الأمريكية الإيرانية وحدها، إنه يتعلق بالشكل الذي سيولد عليه الشرق الأوسط الجديد، وبالدور الذي يُراد لسوريا أن تلعبه فيه.
وفي مثل هذه اللحظات التأريخية لا يكون الخطر الأكبر هو اتخاذ القرار الخاطئ، بل أن تجد نفسك مضطراً للاختيار بين خيارات كلها مكلفة.. وشرعية تُشرِّعُ اللامشروع.



