قاسم العابدي يدخل بوابة القضية الحسينية عبر “خواطر كربلائية”

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…
يُعد الشاعر قاسم العابدي واحدا من المبدعين شعريا في القضية الحسينية، فقد كتب الكثير من القصائد التي صدحت بها حنجرته في المهرجانات الشعرية المقامة في المحافظات العراقية وضمن كتبه العديد من النصوص التي حملت عنوان خواطر كربلائية .
في الخاطرة الاولى رسم العابدي مشهدا استهلاليا للدخول الى معركة الطف إذ يقول : المدينة صمت وترقّب والرّؤية معتمة على النّاس ولكنّها غير معتمة على الذين امتحنَ الله قلوبهم للإيمان، الهدوء يكتسحُ المسافات والليلُ ألقى بجلابيبه على الوقت .
مسجد النّبيّ الخاتم ينتظر ويجهّز نفسه للوداع الأخير ، إنّها اللّحظات التي لا تختلف عن حالات نزع الرّوح من الجسد وها هو من تجلّت به روح الملكوت يسير بخطوات متساوية كأنّه وحي هاطل من سماء ما قبل الخلق فهو يؤمن بالعدالة حتّى في خطواته فلا يزيد بخطوة على أخرى .
دخل إلى المسجد وصلّى به ركعات ثمّ توجّه إلى القبر الذي ضمّ جسد همزة البدء في الحياتين.
هنا بدأت المناجاة بين الوارث وصاحب الإرث ، كان الحسين متعلّقاً بأنفاس جدّه تعلّق الباء بالحاء ، وضع يده على القبر الشّريف وتمتم في نفسه (للَّهُمَّ هَذا قَبْر نَبيِّك مُحمَّدٍ (صلّى الله عليه وآله) وأنَا ابنُ بنتِ نَبيّك، وقد حَضَرني مِن الأمرِ مَا قد عَلمت، اللَّهُمّ إنِّي أحِبُّ المَعروف، وأنكرُ المُنكَر، وأنَا أسألُكَ يَا ذا الجَلال والإكرام، بِحقّ القبرِ ومن فيه، إلّا مَا اختَرْتَ لي مَا هو لَكَ رِضى، ولِرسولِك رِضَى).
خرج الحسين بركبه القليل الكثير متوجّهاً إلى مكّة وهو يلتفت إلى قبر جدّه موقناً أنّه ينظر إلى هذا المكان نظرة المسافر الذي ليس له عودة .
العابدي يتنقل بين خواطره ليقول :إنّها مكّة ، البلد الذي قال فيه تعالى (لَا أُقسمُ بهذا البلدِ وأنتَ حِلٌّ بهذا البلدِ)
دخلها وارث الأنبياء ، عقد بها لقاءاتٍ مختلفةً مع أبناء عبد المطّلب أحياناً ومع من تبقّى من صحابة الرّسول الأعظم حيناً ، لم يكن هناك متّسع للوقت ، فالسّيف يتربّص به، عيون السّلطة تراقبه ، الحياة بمنظور الحسين هي الرّسالة ، لذا كانت رسالته حياتيّة ، وكانت طقوسه ملكوتيّة وكانت كلماته قرآنيّة ، قبل سنوات طويلة وقف هنا، عقد مؤتمراً في مِنى وأطلق فيه تصريحاته بالرّفض وعدم الاعتراف بهذه الحكومة التي تسمّل عيون المؤمنين وتقتل على الشّبهة ، حكومة مثل هذه لا يمكن إلا أن تجابه بالرّفض ، فالرّسالة التي جاء بها النّبيّ الخاتم كانت رسالة إنسانيّة تدلّ الإنسان على الخير وتخلّصه من الشّرور الذاتيّة والبشريّة، ولكنّ هؤلاء لم يكونوا بشريّين ولا إنسانيّين، كانوا آل أبي سفيان وقديماً نصبوا العداوة لكلّ أمر يدعو إلى الخير والإنسانيّة ، فمن مثل وارث الأنبياء يمتلك مشروعيّة القدرة على إيقاف طغيانهم .
تأمّل الحشود بصمت الأنبياء وقال (خُطَّ الْمَوتُ عَلَى وُلدِ آدمَ مَخَطَّ الْقلادَةِ على جِيدِ الفتاةِ، وَ مَا أَولَهَني إِلى أَسلافي اشتياقُ يعقوبَ إِلى يوسفَ ، مَن كانَ باذلًا فينا مُهجتَهُ و موطّناً على لقاءِ اللَّهِ نفسَهُ، فليرحَلْ فإنّي راحلٌ مُصبِحاً، إِن شاءَ الله )
الخاطرة الثالثة للعابدي يقول فيها :ولمّا توجّه تلقاء الكوفة كان قلبه مطمئنّاً بالإيمان واثقاً بالنّصر البعيد ، فالرّسالات الكونيّة لا تنتصر انتصاراً قريباً ، لم تكن المسافة إلى الكوفة بعيدة بل كانت أقرب من مواعيد البشارات الرّساليّة .
كانت المسافة بُعداً يمتدّ بين زمنَين ، زمن أحمر قريب وزمن أخضر بعيد
كان جميع من معه يعتقد أنّ اللّقاء الحتميّ سيكون في الكوفة ، لكنّ نجل عليّ كان يعلم بالعلم اللّدنيّ أنّ بين الكوفة وبينه مكاناً اختاره الله تعالى له وخصّه بالكرامة العظمى .
(وَخُيّرَ لِي مَصرَعٌ أَنا لاقيهِ، كَأَنِّي بِأَوصالِي تقطّعُهَا عسلانُ الفَلَواتِ بَينَ النّواويسِ و كربلاءَ فيملأنّ منّي أَكراشاً جُوفاً، وَ أَجرِبَةً سُغباً لَا مَحيصَ عن يومٍ خُطَّ بالقَلمِ، رِضَى اللَّهِ رضانا أَهلَ البيتِ، نصبِرُ عَلَى بلائِهِ و يُوفِّينَا أُجُورَ الصّابرينَ، لَنْ تَشُذَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ لُحمَتهٌ هي مجموعةٌ لَهُ فِي حظِيرةِ الْقُدسِ تَقَرُّ بهم عَيْنُهُ، وَ يُنَجَّزُ لَهُمْ وعدُهُ)
في الجزء الرابع يقول العابدي: نخل أم أسنّة رماح وأصوات رعيان أم صخب جنود .
حتّى إذا تلاشت المسافات بين جمع الحسين وبين جهة الصّوت تبيّن أنّه الجيش الذي يحمل شعار آل أبي سفيان قبالة الجيش الذي يحمل شعار الإنسانيّة ، وشتّان ما بين الشّعارين، الحقيقة الصّادمة هي أنّ هؤلاء يمتلكون من الإدراك ما يجعلهم يعرفون أمام من يقفون.
ومن يحاربون.
وسيقتلون من .
الوقت يضيق ويقصر والسّماوات تترقّب .
الأرض تتقلّص وتصبح كربلاء.
والحياة تعلم أنّها ملحمة الكون .
جمعٌ ممّن يحملون على أكتافهم هموم الإنسانيّة ويضعون في قلوبهم مفاهيم الحرّيّة ، وجمعٌ باع دينه من أجل دنيا غيره ، إنّه الميعاد المحتوم، فكربلاء الآن هي الرّئة التي سيتنفّس من خلالها الوجود .
كان الوجود يدرك ذلك وكان الفرات يعلم أنّه سيتكدّر طعمه .
التّراب سيرة الصّمود والسّيوف مُشهرة بين الصّفّين .
نظر وارث الأنبياء إلى ذلك الجمع ثمّ قال ( أما والله لا أعطيهم بيدي إعطاء الذّليل ولا أقرّ إقرار العبيد ، وإنّي زاحف بهذه الأسرة على قلّة العدد وخذلان النّاصر )
ويا لَها من أسرة ضوئيّة ضمّت المُخلِصين والمُخلَصين .



