الأوروبيون بين الأمن والاستقرار أو خوض الحرب الأمريكية

بقلم/ميشال كلاغاصي..
في مؤتمر ميونيخ للأمن، تحدّث رئيس الوزراء البولندي عن روسيا، وقال إنها “تستخدم غازها الطبيعي كسلاح”، وطالب، من خلال ببغائية القطيع الأوروبي، بدفن فكرة إطلاق مشروع “نورد ستريم 2″، وذهب إلى أبعد من ذلك، مطالباً بوقف تشغيل مشروع “نورد ستريم 1“.
لقد أتى كلامه في سياق أجندةٍ أميركية تحرص على إقصاء روسيا عن سوق إمداد الغاز وطرقها نحو دول العالم، وقدّم خدمة لواشنطن، وانضمّ إلى قافلة الدمى والناطقين البولنديين والأوكران وغالبية الأوروبيين المهتمّين بإملاءات واشنطن بتعطيل مشروع “نورد ستريم 2″، بمن فيهم ألمانيا – أولاف شولتس – المغلوبة على أمرها، التي تبدو، من خلال تعليقها المشروع، مثل من ينتحر.
لم يلحظ المستشار الألماني الجديد سياسة أنجيلا ميركل طيلة سنوات حكمها، وحرصها على إعلان دعمها لأوكرانيا، وتأكيد ضرورة الحفاظ على عبور المشروع عبر أوكرانيا. وقد بذلت ميركل وحكومتها قصارى جهدهم لضمان تنفيذ المشروع، على الرغم من الرفض والاستياء الأميركي الكبير.
يبدو أنَّ ضعف شولتس وحجم انصياعه وطاعته لواشنطن كانا وراء تجاهله حقيقة اتجاه بلاده نحو إيقاف العمل هذا العام في آخر 3 محطات لإنتاج الطاقة النووية، بما يضاعف حاجتها إلى الاعتماد على إمدادات الغاز الطبيعي، وهي التي احتاجت في العام 2020 لشراء 120 مليار متر مكعب. هل فكّر المستشار كم ستبلغ احتياجات بلاده هذا العام؟ هل يعول على واشنطن في ذلك؟ وما هو السعر الجديد؟ وما الثمن السياسي لذلك؟
لم يكن شولتس ذكياً كنظيره النمساوي، الذي قال: “حتى لو قامت روسيا بغزو أوكرانيا، فإنَّ فيينا لن تفرض عقوبات على صناعة الطاقة الروسية ونورد ستريم 2″، علماً بأنها تحصل على الغاز الروسي بعد مروره بالأراضي الألمانية.
وفي الوقت الذي تستعدّ أوكرانيا لتوجيه ضربة قاصمة إلى الطاقة الروسية، عبر انخراطها بصفة طرفٍ رئيسي في المخطط الأميركي لاستهداف مكانة روسيا وريادتها في أسواق وأنابيب الطاقة حول العالم، سجَّلت فرنسا موقفاً متقدماً عن الألمان، إذ أيدت – من حيث المبدأ – الحفاظ على الاستقرار في أوروبا، لكنَّ الرئيس ماكرون ألمح خلال زيارته الأخيرة لموسكو إلى أنَّ باريس لا تعارض التعاون مع مؤسسة “روساتوم” الروسية الحكومية للطاقة النووية من أجل تنفيذ برنامج إعادة تسليح الصناعة النووية الفرنسية.
دائماً في الحديث عن خطوط نقل الغاز وتدفّقاته، لا بدّ من لفت الانتباه إلى حقيقةِ أنها ليست مجرد أنابيب وغاز، وأنها استثمارات بمليارات الدولارات لشركاتٍ خاصة، تساهم الضرائب المفروضة عليها بملء خزائن دولها، الأمر الذي يساهم في ضمان أمنها الوطني، من خلال تأثيرها في الأجندة السياسية لدولها وفي السياسات العالمية.
ومن اللافت للانتباه أنَّ بولندا وأوكرانيا تبذلان حالياً كلّ ما بوسعهما لجرّ روسيا إلى صراع عسكري، يفرض بدوره على برلين وفيينا وباريس التفكير في عقوبات تكون بعيدةً عن مشاريع وخطوط نقل الغاز الروسي، على الرغم من أن قيامهما بعكس ذلك لن يكون حاسماً وصاعقاً بالنسبة إلى قطاع الغاز والطاقة الروسية.
يبدو أنَّ جوهر المواقف الأوكرانية والأميركية، وموقف الناتو والاتحاد الأوروبي وحلف وارسو وغالبية الدول الأوروبية التي تسير في الركب الأميركي، هو محاولة وقف جميع خطوط أنابيب الغاز الروسي، مقابل إجبار موسكو على ضخّ الغاز إلى الغرب بشكلٍ حصري عبر الشركات الأوكرانية التي باتت تتحكّم واشنطن فيها بالمطلق، نتيجة سياسة النازيين الأوكران الجدد.
من الواضح أنّ تعطيل “نورد ستريم 2″، إضافةً إلى تأثير العقوبات الأميركية والبريطانية وغيرها، سيصبّ في مصلحة الولايات المتحدة الأميركية التي خطَّطت لذلك عبر استغلال الملف الأوكراني، لجني أرباحٍ طائلة نتيجة طرح الغاز الأميركي المسال على الدول الأوروبية والآسيوية كبديل، مستفيدةً من الارتفاع الحتمي لأسعار الطاقة أولاً، ومن انخفاضها بعد أن تُحكم سيطرتها على سوق وأنابيب الغاز الروسي المتّجهة نحو الغرب، وفق الحسابات الأميركية، بعد عودة الاستقرار إلى المنطقة.
ولهذا، دأبت حكومة النازيين الجدد في أوكرانيا على تأكيد أهميتها الجيوسياسية، وأنَّها بلد عبورٍ يمكن الاعتماد عليه، في وقتٍ لا يؤكد سلوكها منذ العام 2001 ما تحاول تأكيده اليوم، بعد أنأنن تسبّبت عبر أكاذيبها بانقطاع الإمدادات وسرقتها بتأجيج المشاكل مع روسيا عشرات المرات، وسط إدراك حكومات الدول التي يصلها الغاز الروسي تاريخ فضائح الغاز الأوكرانية.
لا يمكن تصوّر إمكانية استغناء بعض الأوروبيين عن إمدادات الغاز الروسي، وسط إدراكهم بأنَّ إغلاق الأبواب مع موسكو سيقضي على الصناعات المتوسطة والثقيلة في ألمانيا وفرنسا والنمسا وغيرها، ومن المؤكّد أنَّ طاعتهم العمياء للسيد الأميركي ستكبّد شركاتهم وحكوماتهم خسائر بمليارات الدولارات!
بات من الواضح أنَّ ما يحصل اليوم لن يكون حرباً أو “غزواً روسياً”، بل هي حربٌ تاريخية لإعادة توزيع النفوذ وفق موازين القوى الجديدة والحالية، وعلى الأوروبيين اختيار مصالح دولهم وشعوبهم، إما في السلام والأمن والاستقرار مع موسكو، وإما في خوض حروب النفوذ الخاصة للقطب الأميركي الجريح.



