الطبول في كييف وشويغو في دمشق.. المواجهة أوسع من حدود أوكرانيا

بقلم/جو غانم..
تغيّر العالم كثيراً منذ سقوط جدار برلين وانتهاء المواجهة الكبرى بين الاتحاد السوفياتي والغرب. لم تبقَ روسيا كما “أحبّها” الغرب وأراد لها أنْ تكون أيام الرئيس بوريس يلتسين، إذ يجلس رؤساء أميركا ودول حلف “الناتو” إلى جانب الرئيس الروسي ضاحكين طوال الوقت على طرائفه التي كان يطلقها وهو شبه ثمل، ولم يكتفِ الغرب من دول الاتحاد السوفياتي السابق بما آلت إليه من تفتّت ولهاث باتجاه الناتو والاتحاد الأوروبيّ، وانتشارٍ لثقافة الاستهلاك الغربية وعصابات “المافيا” المستعدة لبيع كلّ شيء، بما في ذلك الأسلحة النووية.
لم يقرّر بوتين الحضور عسكرياً في سوريا في أوج استعار الحرب فيها لأنّه أراد الدفاع عن نظام حليف أو الحفاظ على نفوذ تاريخي على شواطئ هذه البلاد فحسب، بل لأنّ سوريا كانت، وما زالت، جبهة متقدّمة للدفاع عن موسكو نفسها. وقد شكّل الصراع فيها أيضاً فرصة عظيمة لعودة روسيا بقوّة إلى الساحة العالمية لمواجهة الغرب من جديد، وكبح جماح أطماعه التي بلغت نوافذ البيت الروسي من جميع الاتجاهات.
ويجب أن نتذكّر هنا أنّ أسطول الطائرات الحربية الروسية وصل في أيلول/سبتمبر 2015 إلى قاعدة “حميميم” على الشواطئ السورية، بعد مرور حوالى عام فقط على تحريك الغرب الجبهة الأوكرانية الداخلية عن طريق النازيين الأوكرانيين الذين وثبوا على مؤسَّسات الدولة، وهروب الرئيس الأوكراني إلى موسكو، والذي أفضى إلى هجوم روسي على شرقي أوكرانيا وإعلان إعادة ضمّ جزيرة القرم إلى “الوطن الأم” روسيا.
كما يجب أن نذكر أنّ الحضور الروسيّ لم يتوقّف عند سوريا، بل بلغ شمال أفريقيا (ليبيا) أيضاً، وبدا أنّ موسكو مستعدة للولوج من كلّ الثغرات التي تُوصل إلى قلب صفوف العدو، حيث النفوذ الأميركي والأوروبيّ، وإيجاد موطئ قدم هناك، واتّخاذ وضعية القتال.
لم تبدأ موسكو حرب واشنطن المأمولة على أوكرانيا. وبدلاً من أنْ تُطلق القاذفات الروسية أسلحتها الجديدة باتّجاه أوكرانيا التي باتت تغصّ بالسلاح الغربي، فضّل فلاديمير بوتين أنْ يُظهر تلك الأسلحة في سوريا، وفي لحظة الحرب التي حدّدتها واشنطن.
تُعتبر سوريا واحدة من أهمّ ساحات المواجهة الروسية مع الولايات المتحدة الأميركيّة، ولا نبالغ إنْ قلنا إنّها واحدة من أهمّ جبهات الحرب الأوكرانية ذاتها، ذلك أنّها الميدان الوحيد الذي تتقابل فيه القوات الروسية والأميركية على بقعة أرض واحدة، بعيداً عن “الدّرع الصاروخيّة” التي زنّرت بها الولايات المتحدة روسيا، ولأنّ بإمكانها أنْ تكون ساحة الكِباش المباشر مع العدو الرئيسي الذي أراد حرباً بالوكالة – هو بأمسّ الحاجة إليها – في أوكرانيا، فقد أرادت واشنطن توريط أوروبا في صراع عسكريّ على تخوم روسيا وتحييد موسكو عن الصراع الأميركي – الصينيّ، بإشغالها في حرب طويلة تترافق مع عقوبات أميركية وأممية صارمة تتزامن مع الحرب.
هذا الأمر بإمكانه أنْ يُعوّم الإدارة الأميركية الغارقة في مشاكل داخلية وخارجية لا تُعدّ ولا تحصى، وهي تقف على أبواب الانتخابات النصفية بمعدّل تضخّم تجاوز عتبة 7,5%، ويعفيها من مواجهة عسكرية مباشرة مع روسيا، إذ يقوم الأوكرانيون والأوروبيون بالأمر نيابةً عن الأميركيين الذين يكتفون بوضعهم في “الناتو”، وبإدارة الحرب العسكرية والسياسية والاقتصادية من مكاتبهم في البيت الأبيض والبنتاغون وأروقة الأمم المتحدة، الأمر الَّذي فهمه فلاديمير بوتين وقادة روسيا العسكريون والسياسيون جيّداً، إذ قرّروا تفويت هذه الفرصة على الإدارة الأميركية، والظهور في طرطوس السوريّة لوضع سكّة الصراع في مسارها الصحيح، حيث المواجهة مباشرة تماماً، لا يخرقها سوى وجود بعض الوكلاء الميليشياويين، مثل تنظيمي “القاعدة” و”داعش” وباقي الأدوات الأميركية الموجودة في سوريا، والتي استنفدت كلّ أغراضها الاستراتيجية الأميركية، وباتت واشنطن تلعب بها في الوقت المُستقطع من الصراع الكبير.
وبالتالي، من المتوقّع أنْ تقوم دمشق وموسكو والحلفاء في محور المقاومة بتحريك الجبهات السّورية في المناطق التي توجد فيها القوات الأميركية وحلفاؤها من الأتراك والتنظيمات المتطرفة، وتكثيف الضغط على واشنطن وقواتها التي تحتلّ أراضي سورية، وصولاً إلى طردها وتغيير الواقع العسكريّ في تلك البقعة المهمة استراتيجيّاً لموسكو وواشنطن على السواء.
وهنا، لن يكون لأوروبا ذاك الدور الكبير، ولن تستطيع تحريك أيّ قوات عسكرية للقتال بالنيابة عن واشنطن، بل إنّها ستكون في مرمى الصواريخ الاستراتيجيّة المتمركزة في “حميميم”، وستكون البوارج الروسية العاملة على الشواطئ السورية المقابلة لأوروبا ومنطقة عمل حلف شمال الأطلسي الرئيسية على مقربة من السفن العسكرية الأميركية والأوروبية الموجودة في البحر المتوسط، ومن قواعد “الناتو” في قبرص وتركيا واليونان وإيطاليا، وذاك كله ينطبق على أنقرة أيضاً، وهي الّتي تطلب منها واشنطن التصعيد على كلّ جبهات نفوذها القريبة من موسكو.
لقد شكّلت الحرب السورية واحدة من أخطر الأزمات العالمية خلال العقود الأخيرة، وأفضت إلى تغييرٍ رئيسيٍّ في موازين القوى في العالم أجمع، فقد عادت روسيا إلى واجهة المنافسة العالمية من البوابة السورية، لتفرض نفسها لاعباً جديداً في مواجهة “الناتو” وواشنطن، بعد أن استفردت الأخيرة بقيادة النظام العالميّ لأكثر من عقدين ونصف العقد.
والآن من جديد، تثبت سوريا في هذه اللحظة الخطرة أنها في قلب الحدث العالميّ، وبإمكان إيران وقوى المقاومة معها أنْ يكونوا فاعلين جدّاً في التغيير القادم الذي تتصدّره موسكو وبكين؛ ففي الوقت الذي كانت أنظار العالم تتجه باتّجاه الحدود الأوكرانية، منتظرةً بدء العمليات القتالية وفق التوقيت الأميركي، اختارت روسيا أنْ يظهر وزير دفاعها المسؤول عن قيادة الحرب، إلى جانب الرئيس السوري في دمشق، يناقشان موضوع المواجهة مع الغرب على مساحات أوسع بكثير من ساحة أوكرانيا، وبحسب التوقيت المحليّ لمدينة طرطوس الساحلية السوريّة، بينما ترسم موسكو للأزمة الأوكرانية ترتيبات أخرى، تكون جزءاً من الحرب، لا الحرب كلها.



