اراء

البوسنة والهرسك ورقة اختمرت.. فهل ترفعها روسيا بوجه الغرب؟

 

بقلم/جيرار ديب..

 

تجيد البراغماتيّة الروسيّة المستحدثة مع الرئيس فلاديمير بوتين لعبة كسب الأوراق الدوليّة ورفعها بوجه خصومها الغربيين، في محاولة منها لتقويض نظام الهيمنة الأحادية للعالم، وجعله متعدد الأطراف.

كما أنّها تعلمت كيفية الاحتفاظ بحلفائها، رغم وجود مواضيع متباينة ورؤية استراتيجيّة مختلفة بينهم حول الكثير من القضايا الدولية، فما صرّح به وانغ ون بين، المتحدث باسم الخارجية الصينية، الخميس 16-12-2021، بقوله إنَّ الحكومة الصينية تقدّر عالياً التصريحات الأخيرة التي أدلى بها بوتين حول العلاقات بين البلدين، يوضح متانة التّحالف بين الصين وروسيا.

عملت القيادة الروسية مع الرئيس بوتين على إعادة تشكيل أمجاد الاتحاد السوفياتي، لأنها أدركت الخطأ من تفكّكه الذي حصل، ولا سيما في منطقة البلقان. لهذا، سعت على مدى أعوام لدعم جماعات ذات إثنية روسية أو تتحدَّث اللغة الروسية، وتناهض الأنظمة القائمة في مناطق أوروبا الشرقية، وتطالب بالانضمام إلى روسيا، فدولة البوسنة والهرسك هي واحدة من هذه الدول التي تعتبرها روسيا ورقة مهمّة في الضعط على أوروبا.

برز الدّور الروسي في حرب البوسنة والهرسك سابقاً، والتي عُرفت باسم حرب البوسنة، وهي نزاع دوليّ مسلّح حدث في منطقة وسط البلقان (1992-1995)، ودخلت دول كثيرة فيه. وبحسب قول محكمة الجزاء الدولية في يوغوسلافيا، نجد أنَّ البوسنة والهرسك وجمهورية الصرب والجبل الأسود وكرواتيا من أطراف الصّراع. ووفقاً لتقارير محكمة العدل الدولية، ساهمت روسيا في تلك الحرب بجيشها ودعمها المالي، وحتى بالمواقف الدولية للقوات الصربية.

تمَّ إنهاء الحرب مع نشر قوات بقيادة حلف شمال الأطلسي، من خلال اتفاقيّة “دايتون” في البوسنة والهرسك التي تم التفاوض عليها في قاعدة “رايت باترسون” الجوية في دايتون بين 1 و21 تشرين الأول/أكتوبر، وتم التوقيع عليها في 14 كانون الأول/ديسمبر 1995. انتهت الحرب، ولكن لم ينتهِ مشروع روسيا التي قبلت بالواقع المفروض على مضض، لأنَّها اعتبرت الخاسر الأول من هذا الاتفاق.

تعيش دولة البوسنة والهرسك مخاوف أمنية كبيرة، إذ يتصاعد التوتر بشكل لافت مع الحديث عن تجدّد الخلاف في ذلك البلد، وتفيد المعلومات بأنّ المخاوف تتعاظم أكثر، لكون الخلاف قد يكون أكبر تهديد منذ انتهاء الحرب في العام 1995، وربما يسفر عن كارثة شاملة.

 لقد صرّح عميد كلية العلوم السياسية في جامعة سراييغو، سياد تورتشيللو، بأنّ “الوضع معقّد، وأنَّ هناك قوى سياسية مدعومة من روسيا، على رأسها ميلوراد دوديك، عضو في مجلس رئاسة البوسنة والهرسك الثلاثي، بتشكيل جيش صربي، كما يريد طرد مؤسّسات فيدرالية، مثل القضاء، خارج جمهوريَّة صرب البوسنة المعروفة بصربسكا“.

لم تلعب الصدفة دورها في إيقاظ جبهات أوروبا الشرقية، في وقت تشهد قوى عالمية صعوداً قوياً في الساحة العالمية، وعلى رأسها روسيا الاتحادية والصين. وفي ظلّ العمل على تقويض التفرّد الغربي بالتدخّل في الشؤون الدّوليّة، عمدت روسيا بقيادة بوتين إلى الضرب بيد من حديد في وجه كل من يعترض مصالح الأمن القومي الروسي، وهو الذي أعلن أن بلاده ستردّ بشدة على أيّ محاولات للتعدّي عليها، مستخدماً عبارة “سنحطّم أسنان من يحاول قضم جزء من روسيا”. وهنا تكمن المعضلة، عن أيّ روسيا تحدث بوتين؟

يؤمن الرئيس بوتين بأنَّ قوّة روسيا في وحدة أوراسيا؛ تلك النظرة الجيوبوليتكية التي أطلقها ملهم بوتين في السياسة الخارجية الكاتب السياسي ألكسندر دوغين في العام 1991، حيث شرق أوروبا، تشكّل البعد الأوروبي لقارة أوراسيا، فهل هذا ما يعنيه بوتين عندما يتحدّث عن روسيا؟

لا يفصل بوتين بين روسيا كمساحة جغرافية، ومصالح أمنها القومي على وسع هذا الكون. لهذا، اعتبر أنّ العرقلة الأميركية لمشروع نقل الغاز الطبيعي إلى العمق الأوروبي، من خلال شركة “غازبروم” الروسية، عبر “السيل الشمالي 2″، بمثابة قطع الشريان الرئيسي للاقتصاد الروسي، ما يهدّد الأمن القومي الاقتصادي لبلاده. هذا ما يبرّر الحشد العسكري الضّخم لروسيا على الحدود الأوكرانية، لدعم القوات الانفصالية هناك، إضافةً إلى دعمها قوات المعارض دوديك في البوسنة والهرسك، ما ينذر بالدفع نحو خلق قلق أوروبيّ قد ينذر بوجود حرب كبرى مع روسيا.

التوتر الذي يشكّله التحرك الروسي في أوكرانيا، وبعدها في البوسنة والهرسك التي اختمرت أزمتها، هو لردع أوروبا عن فرض عقوبات على بلاده، إذ دعا البرلمان الأوروبي مسؤولي الاتحاد إلى فرض عقوبات “قاسية” على روسيا في حال هجومها على أوكرانيا، كما للتخلّي عن تشغيل خطّ “السيل الشمالي 2” للغاز لتقليص اعتماد الاتحاد الأوروبي على موارد الطاقة الروسية.

هذه الدعوة التصعيدية جعلت روسيا تحرك ملفاً آخر قد يقلق أوروبا في تبعاته، وهو ملف البوسنة والهرسك، إذ يعطي انفصال بصربسكا عنها تحفيزاً إضافية لطموح الرئيس بوتين بتكريس وجود شبه القارة الأوراسية التي تهدد الاتحاد الأوروبي بالوجود.

بحسب مصادر مقرّبة من الكرملين، هناك تأكيد على أن روسيا لا تنوي التصادم العسكري مع أوكرانيا والغرب، بل جلّ ما تبغيه هو تحقيق سلسلة مطالب مرتبطة بمصالحها القومية. لهذا، وجدت أنَّ تفكيك دولة البوسنة والهرسك وإحداث صراع فيها سيقوّضان الأمن في البلقان، ما يشتّت قدرة حلف الناتو على التحشيد بين أوكرانيا والبوسنة والهرسك، وصراعها مع الصين. كما ستعزز فرضيّة زيادة أعداد المهاجرين إلى الداخل الأوروبي، نتيجة الصراع الَّذي قد ينشأ. وقد تفتح شهية تركيا الحالمة ببناء أمجاد إمبراطوريتها العثمانية في منطقة البلقان.

أخيراً، يبدو بحسب المشهدية المقلقة التي ترسمها روسيا في شرق أوروبا، أنها تسير أيضاً في مسار آخر داعم لحليفتها إيران في الملف النووي، الأمر الذي سيضع الغرب أمام فرضية التسليم للقوة الصاعدة، واعتماد مبدأ التفاهم والحوار بدل الصدام الذي سيكون موجعاً وطويلاً، بغض النظر عن المنتصر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى