اراء

إسرائيل تقود لبنان نحو الحرب الأهلية

بقلم: العميد محمد الحسيني..

يمكن قراءة قبول العدو الإسرائيلي بالانخراط في مسار تفاوضي مع لبنان ضمن إطار أوسع من الحسابات الاستراتيجية المرتبطة بمستقبل الجبهة الشمالية. فبعد جولات عسكرية متكررة أظهرت صعوبة تحقيق هدف نزع سلاح حزب الله بالقوة المباشرة، برز للعلن في بعض النقاشات الإعلامية والتحليلية الإسرائيلية طرح يقوم على فكرة أن الضغط العسكري والسياسي المتواصل قد يؤدي إلى نتائج استراتيجية داخل لبنان لمصلحة العدو نفسه. وقد ظهر هذا النقاش بوضوح في أحد البرامج التحليلية على القناة 13 الإسرائيلية، حيث تناول الصحافي الاستقصائي رفيف دروكر (Raviv Drucker) والمحلل العسكري ألون بن دافيد (Alon Ben David) تداعيات الحرب على الجبهة الشمالية، مشيرين إلى أن استمرار التصعيد قد يُفضي إلى تداعيات داخلية عميقة في لبنان، قائلين: “نحن نقود لبنان نحو حرب أهلية”.

من هذا المنطلق، يعتمد هذا التحليل على مقاربة تفسيرية في دراسة السلوك الاستراتيجي لإسرائيل، التي تركز على تفاعل العقيدة الأمنية مع بيئة الصراع الإقليمي. فمن الناحية النظرية، يمكن فهم هذا النمط من التفكير ضمن تطور عقيدة الأمن الإسرائيلية التي تبلورت منذ عهد دافيد بن غوريون (David Ben-Gurion)، والقائمة على مبدأ منع تشكّل تهديدات استراتيجية على حدود إسرائيل من خلال الجمع بين الردع والاستباق ونقل المواجهة إلى خارج العمق الإسرائيلي، أي إلى داخل بيئة الخصم.

وقد تطورت هذه العقيدة لاحقًا لتشمل في بعض قراءاتها الاستراتيجية فكرة إدارة البيئة الإقليمية المحيطة عبر إضعاف مراكز القوة المعادية أو احتوائها، بدل الاكتفاء بردّ الفعل العسكري المباشر.

ومن هذا المنظور، يمكن وضع النقاشات الإسرائيلية حول لبنان ضمن سياق أوسع لا يتعلق فقط بإدارة الصراع مع حزب الله، بل بطريقة تصور إسرائيل للبيئة الأمنية المحيطة بها ككل، حيث يصبح استقرار الجبهات الحدودية مرتبطًا بمدى تماسك الدول المجاورة وقدرتها على ضبط الفاعلين المسلحين داخلها.

غير أن هذا الطرح يواجه أيضًا انتقادات استراتيجية جوهرية في الأدبيات الأمنية. فعدد من الباحثين يرون أن انهيار الاستقرار الأمني في لبنان قد لا يخدم بالضرورة المصالح الإسرائيلية، بل قد يؤدي إلى نتائج عكسية على المدى المتوسط والبعيد. ومن منظور استشرافي، يفتح هذا الواقع أمام عدة مسارات محتملة لمستقبل الجبهة اللبنانية-الإسرائيلية. فقد يؤدي استمرار الضغوط العسكرية والسياسية والاقتصادية إلى تفاقم الانقسامات الداخلية في لبنان، بما قد يفضي إلى حالة من عدم الاستقرار المزمن أو إلى إعادة تشكيل موازين القوى داخل النظام السياسي اللبناني.

وفي المقابل، قد يدفع إدراك المخاطر المشتركة المرتبطة بانهيار الدولة الأطراف المعنية إلى البحث عن ترتيبات أمنية جديدة تهدف إلى ضبط مستوى التوتر وإعادة تثبيت قواعد الاشتباك على الحدود. وفي كلتا الحالتين، سيبقى مستقبل العلاقة بين لبنان وإسرائيل مرتبطًا بجملة من المتغيرات الحاسمة، من أبرزها قدرة الدولة اللبنانية على إعادة بناء جزء من التماسك المؤسسي، ومستقبل الدور العسكري والسياسي الذي يؤديه حزب الله، إضافة إلى طبيعة التوازنات الإقليمية الأوسع التي تشكل البيئة الاستراتيجية للصراع.

وفي ظل هذه العوامل المتداخلة، يبدو أن السيناريو الأكثر ترجيحًا في المدى المنظور يتمثل باستمرار نمط من “الاستقرار الهش”، حيث يتعايش الردع المتبادل مع مستويات متفاوتة من التصعيد المحدود دون أن يتحول الصراع إلى تسوية شاملة أو إلى مواجهة إقليمية مفتوحة.

وعند مقارنة أي مسار تفاوضي محتمل بين لبنان وإسرائيل بتجارب السلام العربية السابقة، يظهر أن نجاح مثل هذه المسارات غالبًا ما يرتبط بوجود حد أدنى من التوازن في موازين القوى. فقد جاء الاتفاق الناتج عن “معاهدة كامب ديفيد” بعد حرب تقليدية كبرى خاضتها مصر عام 1973، وهو ما أعاد قدرًا من التوازن العسكري والسياسي مكّن القاهرة من التفاوض انطلاقًا من موقع يمتلك أوراق ضغط واضحة، الأمر الذي أسهم بإنتاج تسوية قائمة على إعادة توزيع واضحة لمعادلات القوة وليس فقط على إنهاء الحرب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى