اراء

دعوة قتل المفاوض الإيراني.. ماذا يقول القانون الأمريكي نفسه؟

بقلم: ليلى نقولا..

ظهرت دعوات مؤخراً في الولايات المتحدة، بما فيها مقال رأي في واشنطن بوست تدعو إلى قتل المفاوضين الإيرانيين إذا فشلت المحادثات في إسلام آباد.

وبالرغم من أن هذه الدعوات يمكن أن تُفهم بأنها تعبير عن إحباطٍ سياسي بسبب فشل الحرب الإسرائيلية – الأمريكية على إيران في تحقيق أهدافها، إلا أن فجاجتها تظهر كتعبير واضح عن ابتعاد الامريكيين عن القانون الدولي، وعن قانونهم الخاص، وتطبيع السير وراء “إسرائيل” التي تضرب عُرض الحائط كل القوانين والشرائع الدولية.

تأريخ “إسرائيل” في قتل المفاوضين

في أيلول 1948، اغتالت المجموعات الصهيونية الكونت فولكه برنادوت، وسيط الأمم المتحدة المكلَّف بالتوسط لوقف إطلاق النار في فلسطين، في القدس أثناء قيامه بمهمته الدبلوماسية.

كان الردّ الدولي فوريًا وحاسمًا: أدان مجلس الأمن الجريمة بوصفها فعلًا إجراميًا ارتُكب بينما كان الوسيط يؤدي دوراً سلمياً. لم تجادل أي دولة آنذاك -ولا لاحقاً- بأن قتل المفاوضين هو أداة مشروعة من أدوات الدبلوماسية.

وبينما كان يفترض أن تُغلق تلك السابقة الملف نهائياً، تستمر “إسرائيل” باستخدام هذا النمط حيث قامت باغتيال إسماعيل هنيّة، رئيس المكتب السياسي لحماس وكبير مفاوضيها، في تموز 2024 في طهران.

ثم قامت بقصف الدوحة لمحاولة اغتيال وفد حماس التفاوضي في أيلول 2025، بينما كانت محادثات وقف إطلاق النار جارية. وخلال الحرب الأخيرة مع إيران، قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن كل مَن كان ينوي التفاهم معهم من الإيرانيين تمّ قتلهم، ولاحقاً قتلت “إسرائيل” كل قيادي إيراني كان مؤهلاً لقيادة المفاوضات مع الأميركيين، ومنهم السيدان علي لاريجاني وكمال خرازي.

ماذا يقول القانون الدولي؟

في النزاعات المسلحة، يقوم القانون الدولي الانساني على مبدأٍ جوهري هو التمييز بين من يشاركون مباشرة في الأعمال العدائية ومن لا يشاركون فيها.

وعليه إن المفاوض لا يشارك مباشرة في القتال، حتى لو كان عسكرياً في الأصل، فإن قيامه بمهمة تفاوضية ينقله قانوناً إلى فئة المحميين من غير المشاركين بالقتال.

لذلك، إن قتل المفاوض يشكّل خرقاً مباشراً للمادة الثالثة المشتركة من اتفاقيات جنيف التي تحظر “القتل بجميع أشكاله” بحق الأشخاص غير المشاركين في القتال أو الخارجين منه.

والأهم هنا أن هذه الحماية لا تسقط بسبب صفة الخصم أو عدالة قضيته، ولا تبطل بفشل المفاوضات، ولا تُعلّق بحسن أو سوء النيات السياسية للمفاوضين.

من جهة ثانية يعتبر قتل المفاوض خلال التفاوض جريمة غدر (Perfidy) . ويعرّف الغدر بأنه استدراج ثقة الخصم استناداً إلى حماية يمنحها القانون الدولي، ثم خيانة تلك الثقة عبر استخدام العنف. ولهذا نصّ البروتوكول الإضافي الأول (1977) صراحةً على أن من أوضح أمثلة الغدر، هو “التظاهر بالرغبة في التفاوض أو الدخول في مفاوضات، ثم قتل الطرف الآخر أو استهدافه“.

ولعل السبب الذي أدان القانون الدولي عمل “الغدر” هو أن خطورته لا تكمن فقط في الفعل ذاته، بل في أثره البنيوي، خاصة إذا أصبح التفاوض وسيلة قتل، حيث سينهار الحافز البنيوي لأي تفاوض مستقبلي. وعليه، اعتُبر الغدر من أكثر الانتهاكات خطورة في قوانين النزاعات المسلحة.

ماذا يقول قانون الحرب الأمريكي؟

وفق العقيدة العسكرية الأميركية، لا يصبح الشخص هدفاً مشروعاً لمجرد كونه غير مرغوب سياسياً، أو مرفوضاً أخلاقياً، أو متصلباً على طاولة التفاوض.

لا تنظر الولايات المتحدة إلى قانون النزاعات المسلحة بوصفه قيداً خارجياً مفروضاً عليها، بل تعتبره امتداداً لتقاليدها العسكرية الخاصة. هذا المبدأ منصوص عليه بوضوح في “دليل وزارة الدفاع الأميركية” لقانون الحرب، الذي جرى تحديثه آخر مرة في تموز 2023، ويصف قانون النزاعات المسلحة بأنه “جزءٌ ممن نحن” وعنصر أساس في احترافية القوات المسلحة الأميركية.

ينطلق “الدليل” من مبدأ افتراض الحماية، ويقول إن الأشخاص يُفترض أنهم محميون من الاستهداف ما لم تتوافر معلومات تُثبت أنهم أهداف عسكرية مشروعة. ويؤكد الدليل واجب افتراض الصفة المدنية أو المحمية، واتخاذ الاحتياطات الممكنة قبل أي هجوم.

وعليه، يقع المفاوضون بوضوح ضمن هذه الفئة المحمية سواء أكانوا مدنيين أم أعضاء في جماعات مسلحة، فإنهم ما داموا منخرطين في مفاوضات لا يُعدّون مشاركين مباشرة في الأعمال العدائية، وهو الحدّ الذي يعتمد عليه “الدليل الأميركي” نفسه لتحديد قابلية الاستهداف.

ويحظّر “الدليل” الغدر، وذلك استناداً إلى البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف والعرف الدولي. ويعدّ “الدليل” أفعالًا محظورة تلك التي تستدرج ثقة الخصم بناءً على حماية يمنحها القانون، كالتفاوض أو الهدنة، ثم تخون تلك الثقة باستخدام القوة المميتة.

في النتيجة، إن تصوير الدعوات إلى قتل المفاوضين بوصفها “إرسال رسالة” يؤسس لسوابق خطيرة داخل الولايات المتحدة وخارجها، ويضع الأميركيين في تناقضٍ مباشر مع دليلهم العسكري الخاص لقانون الحرب، ومع المبادئ الراسخة في القانون الدولي.

قانونياً، إن قتل المفاوض يخرق في آنٍ واحد القانون الدولي الإنساني، وقانون حقوق الإنسان، ومبدأ حسن النية، وقواعد المسؤولية الدولية.. إلخ، ولهذا السبب تحديدًا لم يعرف التأريخ سابقةً واحدة اعتبرته مشروعًا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى