هناك صمود.. إذًا هناك انتصار

بقلم: د. إدريس هاني..
تصبح كلفة الصمود في الحروب الكبرى باهظة، لكن آثارها تكون تأريخية بامتياز. وقصة النصر نفسها لها معارضون، غالبا هم غير مدركين للنسبية في فن الحرب، فصفر أهداف لن يخفف عنها صفر ضحية. المهم هنا وفي هذا المفرق التأريخي، أن انبعاث المقاومة من تحت رماد الحرب وبؤس السياسات، هو عنوان لخلود الكفاح التحرري.
هذه الأيام وحسب تصريح الوسيط الباكستاني، تم التوصل إلى وقف إطلاق النار، غير أن الاحتلال الذي لا زال يتبرم من الخضوع لنتائج هزيمته، كما سيظهر من عدوانه الأخير ضد المدنيين من خلال القصف العشوائي لمناطق في بيروت، سيواصل الهروب إلى الأمام حتى إسقاط المفاوضات، يسعى الاحتلال إلى استثناء لبنان من وقف النار تمهيدا لإكمال مهمته التي لم تقف عند الجنوب، بل عين الاحتلال على كل لبنان وما بعده. يشعر نتنياهو بأن المفاوضات الأخيرة هي محاولة ترامب للخروج من هذا الإذلال، لكنها مفاوضات لن ترفع الإذلال عن نتنياهو. والحقيقة هي أن الاحتلال ليس وحده من يسعى إلى ألّا يشمل قرار وقف النار لبنان، بل هناك دول يزعجها توقف الحرب قبل تحقيق الأهداف المرسومة سلفا، وهي تدمير إيران ومحق قوى المقاومة.
وقد وضع هذا الأمر العالم أمام مفارقة السيادة برسم التبعية، وصورتها كالتالي: احتراما للسيادة، لن نقبل وقف العدوان على الوطن. إنها شطارة السياسة الهاربة، وذلك لأن الطرف الإيراني ظل مصرا على أن يشمل الاتفاق الجبهة اللبنانية، بل لقد جعل مصير هرمز متوقفا على وقف العدوان، وهو ما يؤكد أن فكرة وحدة الساحات باتت حقيقة لا رجعة فيها، كما يؤكد بأن لبنان الرسمي عاجز عن الاستثمار في الموقف لصالح اتفاق يعفيه من استحقاقات الاستسلام.
اليوم، لبنان ينتفض بمقاومته وشعبه ضد هذا الجحود السياسي وتضحيات الشعب وقوافل الشهداء.
لم تعد الحرب جيوستراتيجيا محضا، بل باتت حربا سيكوباتولوجية، تعزز مفهوم مرض العلاقات الدولية. وقد أدرك الإيرانيون طبيعة هذا المرض. يظل السؤال قائما: هل ينجح الإيرانيون في سياقة ترامب إلى مخرج للهروب مشروط باستحقاقات حاسمة؟ فلقد تم اختبار القدرات الدفاعية والهجومية الإيرانية، وتأكد أنها بخلاف ما تحدث خصوم طهران، بأنها لبست خردة عاجزة عن تحقيق الردع. فلقد فاجأوا الاحتلال قبل غيره بالتقنية العالية في حرب متطورة. لقد جعلنا الحرب الأخيرة درسا لكل من استثمر في قواعد الاشتباك التقليدية، وحققت انتصارا مدويا لروسيا والصين. فقد أوقفت التمدد الامبريالي نحو بحر قزوين وصولا إلى تخوم أوراسيا، وقد استهدفت مواقع الأوكرانيين ومسيراتهم الموزعة في المنطقة، كما استهدفت أوكارا عشش فيها قادة الحروب القذرة. ففي قناعة الإيرانيين، أنهم يخوضون حرب تطهير وتحرير للمنطقة من الهيمنة بأن استغلوا مخرجات الحرب لأجل بناء موقف متقدم يخدم أمن وتعاون المنطقة خارج كل أشكال النزاع الذي تعود علله الأولى إلى لعبة الأمم.
إن ما يلفت النظر في مفارقة الحرب الأخيرة، هو أن رصيد ترامب السياسي الوحيد، هو أنه رجل مقاولة، وهو يحسن الابتزاز وتحصيل الأرباح؛ غير أن الحرب الأخيرة أثبتت أن إيران هزمته اقتصاديا، حيث تسببت بأزمة الطاقة العالمية، وهو ما انعكس سلبا على واشنطن وأضر بحلفائها الكلاسيكيين. فلقد هزم البازار المقاولة، حين حول هرمز إلى وصل تجاري جديد عبر تفعيل مكسب مشروع في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار(unclos) لعام 1982، القاضية بحق تنظيم الدولة المشاطئة للمرور وفرض رسوم على العبور، وهو ما يكفي طهران على المدى القصير لإعادة الإعمار وتعويض 47 سنة من الحصار. نتحدث عن معبر حيوي تبلغ فيه نسبة الملاحة الطاقية العالمية 37 بالمائة، وهو ما يضاعف من الميزانية السنوية لإيران، وهو ما يجعل مخرجات الحرب ليست سلبية بل تستحق العناء.
لم تصبح إيران دولة إقليمية اليوم فقط، بل من لم يكن يراها كذلك من قبل، فقد تأخر كثيرا، بل هناك من يعتبر عدم الاعتراف شطارة استراتيجية، مع أن تقييم الأمم لا يتوقف على بيع الفضولي للوهم.
يحاول ترامب من خلال المفاوضات كسب ثقة الشارع الأمريكي المناهض للحرب، ولكنه تحت ضغط نتنياهو سيحاول خلق توازن مستحيل بين رغبة الاحتلال ورغبة الشارع الأمريكي، وسوف تكشف هذه المعركة عن أن ترامب سيفقد القدرة حتى على المغامرة، إنه يبحث عن مخرج من العزلة، وهذا ما يخشاه الاحتلال وهو يسعى لتحقيق انتصارات وهمية على المدنيين في لبنان. المؤسف هنا أن دور العرب غامض وملتبس وفاقد للمبادرة، بينما كان بإمكانهم فعل الكثير لو أنهم تخففوا قليلا من حمل التبعية الثقيل ومن إدمان سردياتهم الكلاسيكية المسكرة، وأعادوا صياغة رؤية أكثر شجاعة وإيجابية تجاه بلدانهم وتجاه الإقليم والعالم.



