الأمل بوطن بعيد ..
حسين محمد الفيحان
الأمل الذي يُبصرهُ الحالمون بالهجرة في بلدان ما وراء البحار والمحيطات والغابات والجبال. هو ما يحدوا بهم للمجازفةِ بأنفسهم واهليهم بحثاً عن بلدٍ, عسى ان يُولدونَ به من جديد، ليكون بديلاً عن وطن أنهكته الحروب والأزمات والمخططات الخارجية. لذا كان الإقبال من قبل بعض العراقيين وبالأخص شريحة الشباب بالسفر الشرعي إلى تركيا ومنها تهريباً عبر بحر (ايجا) إلى دول أوروبا التي فتحت بعضها باب اللجوء للمُتأملين بحياةٍ افضل وأغلقته أخرى.
وبالتأكيد ان رحلة الهجرة وحلمها المُميت ليست بالسهلة أو اليسيرة ابداً، مادامت غيرُ شرعية وتتعامل بها مع مُهربين . اذ لا قيم ولا مبادئ لديهم سوى استغلالك والحصول على ثمنهم من ما تحملهُ من دولارات بغير ضمانات مسبقة لحياتك وحياة عائلتك وصغارك الذين ستُغامر بهم ليلاً في قارب صغير وسط بحر مُرعبٍ مخيف تتجاذبهُ الأمواج لتعلو وتنخفض فيه تاراتٍ حسب ما تشتهي وتريد الرياح في ذلك اليوم. ولن ينتهي الأمر بعبور بحر (ايجا) الذي رمى الى سواحلهِ مئات الغارقين ليلاً, وهم في طريقهم الى الحلم المجهول, فهناك غابات وجبال ومنخفضات على المهاجر السير فيها راجلاً وسراً , ليصل الى حدود أُوروبا الشرقية, ويقضي هناك اياما واسابيع في العراء امام حدود دولة منها صارخاً مع المهاجرين والمجتمعين, بصوت عالٍ (ساعدونا فقد اتينا هاربين من الحرب), حتى تأذن تلك الدولة بدخول اراضيها لهم لاجئين, اذا ما زادت عدد الاسلاك الشائكة ومنعتهم من الدخول أو سمحت بعبورهم لأراضيها الى دول اخرى فقط.
وعند الوصول الى الدولة التي تُرحب بالمهاجرين وتستقبلهم بعد عناء ثلاثين يوما في احسن الاحوال, فهناك لن تجدَ ما كنت تحلم به من بيت أو شقةٍ مفردة مع راتب شهري مغرٍ كما قيل وتمنيت, فستُعطى غرفة في شقة الى جوار عوائل مهاجرة اخرى مع اجور طعام لا أكثر وحتى اشعار اخر.
ويقيناً ان للهجرة المتزايدة بين اوساط الشباب وعوائلهم اسبابها التي تتمثلُ بـإطالة أمد الأزمات البنيوية بقطاعات الأمن والاقتصاد والخدمات والحرب المستمرة على الارهاب, فضلاً على استشراء واستفحال شريحة العاطلين عن العمل من الخريجين وغيرهم دون وجود خطط انية ومستقبلة لاستيعابهم في المؤسسات الحكومية أو شبه الرسمية أو القطاع الخاص المعطل هو الاخر بسبب الاعتماد على مبدأ المحاصصة الحزبية التي قادت الى تفشي ظاهرة الفساد في وزارات ودوائر ومؤسسات الدولة خلال سنوات التغيير الماضية. وايضا النزاعات الدائرة في الجوار العراقي المتمثلة بسوريا وانعكاساتها على الداخل العراقي كان لها دورٌ في هجرة الشباب العراقيين الذين وجدوا امامهم الاف السوريين على الحدود الاوربية.
ليحذر وزير الهجرة العراقي محمد جاسم من هذا التزايد الخطير في اعداد المهاجرين العراقيين قائلاً: (أن ازدياد عدد المهاجرين العراقيين إلى الخارج خطرا مُقدحا في تشرد الفئة العمرية الأهم من السكان) انتهى.
وهنا يجب على جميع الأطراف السياسية في الدولة ان تتحرك بصورة عاجلة وفورية لاتخاذ قرارات رصينة تكفل للمواطنين وبالأخص فئة الشباب العيش الكريم وطمأنة من يفكر بالهجرة ودعوة من هاجر خلال هذه الموجة الحالية, بالعودة الى البلاد وتوفير الظروف الملائمة التي يبحثون عنها في تلك البلدان. والسؤال الذي يُطرح: اذا كانت الدول الاوربية التي تستقبل اللاجئين العراقيين وتوفر لهم السكن والمُرتب الشهري الذي يكفل العيش الكريم للمقيمين على اراضيها وكلُ ذلك يُستقطع من الحكومة العراقية وما تصدرهُ من نفط الشعب الخام والمُباع الى السوق العالمي عبر منظمة (أوبك). أذن لماذا لا نستثمر تلك الاموال وغيرها في احتواء الشباب عبر انشاء مصانع ومعامل حكومية وأهلية باستقطاب الشركات العالمية عن طريق الاستثمار الصحيح والفاعل لا الغامض والمُبهم. فالشباب هم الطاقة ومصدر القوة العسكرية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية في كل الشعوب اذا ما استغلت بالشكل الصحيح, لا ان نتركهم يرحلون الى أوروبا عبر طريقها الوعر.



