“ليتني كنت أعمى” ذاكرةِ مثقّف فلسطيني من مخيّم جنين

المراقب العراقي/ متابعة…
في رواية “ليتني كنت أعمى” وتحت مبدأ فواق الواقع على الخيال، في محاولة إحياء الذاكرة وتوليد التأثير بالاعتماد على شهادات أبطال الواقع، يَخلق الروائي وليد الشُّرَفا سيناريو متخيّلاً، لا يبتعد عما يحدث في الواقع إن لم يكن قاصراً عنه، وفقاً لتجارب البشر مع غرابات الواقع.
في مقطع من الرواية يقول الشرفا: كما لو أنّهما صندوق باندورا الذي يحتجز شرورَ البشر، تنفتح حقيبةُ صورِ مصوّرٍ صحفيّ فلسطيني عائدٍ إلى نابلس، مع ذاكرةِ مثقّف فلسطيني من مخيّم جنين، في رواية الفلسطيني وليد الشُّرَفا الجديدة ” ليتني كنتُ أعمى”؛ لا لكي تُطلِقا تحت الشمس شرورَ مجازر المحتل، التي تتجاوز سرقة الأرض إلى ذبح المقاومين من أهلها، وشرورَ فسادِ مَن عقدوا اتفاقيات السلام معه في مدريد، وشرورَ النفس عندما تُخادع نفسها فحسب، وإنّما أيضاً لتُطْلِقا مخاوفَ وتعاطفَ ومآثرَ البشر في مواجهة المصير الذي يبلغ ذرى قسوتِه بمعرفة حتميّة الموت.
“أخذتهما إلى زاوية الزقاق، سلّما عليّ، رتّبا الحزامين؛ أشرفُ على وسطه العلوي تحت إبطيه، وعبد الحليم في حقيبةٍ بين ملابسه وبعض السكاكر والحلوى، عندما رأى محمود الحذاء الرياضي الجديد الذي اشتراه عبد الحليم، قال له: أعطني البوت الجديد وخذ هذا القديم، مش فارقة معك فوق بالجنة، وأنا خاطب جديد. ضحك عبد الحليم وخلع حذاءه، ارتداه محمود، احدودب نحو الأسفل، ظل مطأطئاً رأسه أكثر من الوقت اللازم لربط الحذاء، انتظرناه أن يرفع رأسه، لم يفعل، نظرتُ إلى الرماد والرمل تحت قدميه، كانت دموعه تتقاطر، وكان هسيس شهقته التي أعرفها. أبعدت أشرف وعبد الحليم عنه، قلت لهما: انتظرا معنا، قالا: كلها موتة، خلينا نخفف الضغط.
ولأن الإطلاق يرتبط بغاية محورية في العادة، لغاياتٍ ظاهرة وباطنة، تكشف عنها العناصر الفنية التي يستخدمها أو يبتكرها الروائي، في البنية الظاهرة والعميقة والمنظومة السّردية التي تتخللها بخاصة؛ يستمرّ الشُّرَفا في هذه الرواية، كما في روايتيه السابقتين لها: “العائد من القيامة”، و “وارث الشواهد”، في محاولة حقن الذاكرة بما يجدّد حياتها، كي لا تفنى حياة البشر بسكاكين جزاّري كشط الذاكرة. وهو يفعل هذا سواء بلملمة شظايا الذاكرة التي تبعثرت بين المنفى والوطن الضائع برياح الاحتلال، أو بطهرانية نزع روح المكان من دنس مراحيض الاحتلال، أو بتظهير صور ما مرّ تحت طواحين رمال زمن الاحتلال، ودائماً بتوريط القارئ في شراكة كتابة الرواية عبر فتح قنوات التواصل الجمالي البالغة التأثير في المشاركة.



