“كما في السماء”: الموت كفاف الإنسان المقلق على الأرض

المثنى الشيخ عطية
بعد “موشور مبلل بالحرب”، 2004؛ و”ليل واحد في كلّ المدن”، 2010؛ هذه هي المجموعة الشعرية الثالثة للشاعر والروائي والأكاديمي العراقي سنان أنطون. نصوص المجموعة الخمسون تعتمد شكل قصيدة النثر، وتتخذ تنويعات مختلفة بين السطر والكتلة والرسالة، والنصّ القصير الذي لا يتجاوز ثماني كلمات وذاك الذي يتسع لأكثر من 260 كلمة. صياغات الشكل هذه تتحمل ضغوط محتوى بالغ الثراء والتنوّع، قد يبدأ من النزوع إلى السرد تارة، أو استعادة التاريخ طوراً؛ وقد ينتهج التكثيف الأقصى في المجاز والإيعاز، أو قد ينبسط إلى سرد تقريري عن سابق قصد (كما في قصيدة “رسالة إلى جدّي”) يتوسل تفجير طاقات النثر المحض في مستوياته التعبيرية والدلالية الخام. ولكنه، في هذا كلّه، لا يحرم القارئ من ومضات ثاقبة في استدراج عناصر الطبيعة وكائناتها، أو اقتباس مشاعر القلب وهواجسه واعترافاته، أو تأثيث الحياة اليومية عبر التوغل في تفاصيل متفاوتة التعبير عن هامشية هنا او عمق هناك.
لا يخدعنّك صغر حجمها الذي يُريح صغر حجم زمنَ قراءتك لها؛ فمجموعة الشاعر، الروائي العراقي سنان أنطون “كما في السماء”، تحيلُ خُبزَ تناولك الحلو بفاتحتها، على الأرض المنذورة للهباء، إلى مَرارٍ يقلقُ بوصلةَ اتجاه صلواتك إلى أين؟
ولا يخدعنّك قصر قصائدها كذلك، إذ ستمتد بداخلك مقلقةً أحلامَك، على طول زمنكَ الذي في البدء لم يكن الكلمةَ، بل الطعنةَ التي “خَلقَ فيها الخنجرُ الجرحَ على صورته”، ومضى يحرقُ مراحل أزمنتك لامعاً بوهج الفسفور، حتى استقراره بجسد طفلٍ آخر في فلّوجة العراق؛ بعد حرقه أحلام أطفال هنود “الأباتشي”، بمروحيات “الأباتشي”. كما سوف تمتدّ مقلقةً تساؤلاتِك عن نزول جدّك الغريب من علياء أشجار جنّته إلى سافل جحيم لحم فرائسه من النساء والأطفال، في أنقاض شوارع سوريا؛ وتمتد ساخرةً من أوهامَك، منذ تمام صرختك الأولى نتاجاً لضجر الآلهة، حتى تساؤلاتك المرعبة عن محتوى الغرفة التي بجانبك في قطار الموتى الذي لا يتوقف غير آبه بصلواتك التي يأكلها الهباء.
ولا يخدعنّك، في النهاية، إغلاقك لصفحات هذه المجموعة الأنيقة بعد زمنٍ لم يأخذ من انشغالك غير بضعِ محطاتٍ، فسوف ترافق أيامك التالية قهقهةُ سخريتها المرّة من ركونك إلى قيد ما تمّ تلقينك إياه، وربّما دفعكَ قلقكَ من هذا القيد، إلى أن تفتح قفص ببغائك الذي ينظر إليك مستغرباً عدمَ فهمِك خشيتَه من الطيران. وربّما عدتَ لكي ترتاحَ من قلقكَ إلى أن تفتح المجموعة ثانية لتقرأ بضعة أسطرٍ من اعترافات جدّتك حواء.



