ثقافية

قصة حقيقية من ارض المعركة رنا.. قصة حقيقية لصبية ألتقيتها في ارض المعركة

عباس سليم الخفاجي
تصوير: يونس عباس سليم
لم تبلغ الحُلم صبيةٌ بعمر الورود، ألتقيتها في الجانب الأيمن من أحياء الموصل القديمة والدماء تسيلُ على وجنتيها نتيجة عبوة غادرة وضعها الوحوش لاصطيادها.
رشقات الهاونات مستمرة ولم تنقطع، والانفجارات هنا وهناك، وبرغم ذلك، فان أبطال جهاز مكافحة الإرهاب يتركون واجبهم المقدس في مقاتلة العصابات وتطهير الأحياء، وينشغلون في مساعدةِ وإنقاذ العوائل الهاربة من بطش داعش الى أماكن أمنة، لا تبعد سوى زقاقين أو أكثر من المعركة.
مسرعةٌ أتت عجلة الهمر، يظن من يراها إن من فيها فَرَ من ارض المعركة! لشِدة سُرعتها.. تقف ويترجل منها السائق مُسرعاً ليحمل بيديه الشريفتين طفلٌ تضرجَ جسمه بالدماء من رأسهِ الى أخمصِ القدم، لتُعاود الهمر طريقها الى المعركة.
أخت الطفل تصرخ مفجوعة على أخيها، متناسية تلك الدماء التي ما زالت تسيل وقد غطت وجهها الجميل ، يُسرع الأبطال المسعفون نحو الطفل والذين تطوعوا لوجه الله جل وعلا ولخدمة الإنسانية، حقيقة الأمر لم تكن تلك الصبية أحسنُ حالاً من شقيقها، إلا أن شجاعتها كانت حاضرة.
حينها كانت عدستي ترصدُ كل لقطة متميزة لتوثيقها، ولم يأتني الخوف أو ينتابني، بل هاجس النصر والانتقام من وحوش الشر هو الذي يدفعني لتوثيق الحدث، حينها أدركت أن واجبي الإنساني يُحتِم عليّ أن اترك واجبي الإعلامي، لألتفت الى الصبية وأضمِد جِراحِها وأقطع نزف الدم.
بصراحة لا اعرف ما اعمل وكيف أبدأ! غسلتُ وجهها وأخذت قِطعاً مما توفر من القطن و وضعتهُ على رأسها.. شعور عاطفي! تسحبُ يديَّ ولسان حالها يقول وباللهجة الموصلية «عَمُوه أريدُ أن أُقبِل يديك»، هنا لم أتمالك نفسي يشهد الله وقد سالت دموعي غبطةٌ لتلك الصبية التي رأيت فيها وجه أبنتي.
بعد برهة من الزمن حين أعانني الأبطال على تضميدِ جِراحِها وقد اطمأن قلبي على الصبيةَ وشقيقها، قلت لها حدثيني يابنتي ما حكايتك؟ قالت وهي ترتجف غضباً بلهجتها الجميلة ومفردتها التي لا تفارق مخيلتي «عَمُوه» أنا اسمي رنا من ذلك الحي (وهي تشير الى منطقة باب لكَش)، وقد اجتزت دراستي الابتدائية بتفوق وأعفيت من جميع الدروس في صفي الأول لأذهب الى صفي الثاني لمتوسطة الموصل للبنات.
وعند اغتصاب مدينتي من الدواعش الأنذال، وجعل مدرستي مقراً لشرِهم، خفتُ وعائلتي على نفسي وتركت دراستي خوفاً وطوعاً من أراذل القوم، فهم يستبيحون كل المقدسات، ولكن لم اترك تفوقي، فقد كان لي كراس صغير أدون فيه كل موقف يومي يقوم به أفراد تلك العصابات الغادرة الشريرة لكي يكون شاهداً عليهم.شفاهها تتراجف وهي تخبرني وتتذكر أنهم يوصدون أبواب المنازل على ساكنيها بوساطة مكائن اللحام، وقد وضعوا عبواتهم اللعينة وملأوها بقطع الحديد الصغيرة أو ما يسمى (بالصچم) أمام المنازل لمنع من يحاول الهرب، نحو المنقذين من جنود العراق الأبطال.
انا ومحمود أخي و والدي حاولنا عدة مرات الهرب ولكن سطوة وبطش داعش حال دون ذلك، الى أن حانت الفرصة في هذا الصباح وتسلقنا جدار المنزل الخلفي، مغتنمين الفرصة لانشغال جرذان الشر بالاختباء من ضربات أبطال الجيش والشرطة الاتحادية وقوات الجهاز الباسلة، ولم يكن بالحسبان أن ذلك الكيس الأسود كان يخبئ فيه قدرنا، وقد ملأه الدواعش بسمومهم المتفجرة، وما إن اقتربنا نحوه حتى انفجر، وما تراه نتيجته.
خبرتني عن أعدادهم وعن نوع سلاحهم ومقرات تجمعهم أو ما يسمى بالمضافات وهي ترفع اكفها المدميان بالدعاء للعراق وقواته الأمنية وحشده المقدس، الذين طهروا المدن بعد أن استباحها المجرمون، وبدوري قدمت تلك المعلومات البالغة الأهمية لمن يستحقها .. أنهم ضباط وأمرو جهاز مكافحة الإرهاب البطل.
روت لي رنا قصتها بِعُجالة، وما أن انتهت حتى وقفت عجلة همر أخرى تحمِلُ عائلةٌ أصاب إفرادها ما أصاب عائلة الصبية رنا، فودعتها وتوجهت الى واجبي المقدس تارة في مساندة المسعفين وتارة أخرى لتوثيق انتصارات أبطال العراق.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى